ينتهى علم الأخلاق لأرسطو بنظرية على السعادة يمكن اعتبارها ملخص كتابه أو مفتاحا له في آن واحد . فإنه بعد أن نفى اللذة باعتبار أنها لا تصح أن تكون هي الخير الأعلى على نحو ما صنع أفلاطون في « فيليب » من نفى اللذة بثبات واعتدال ، قرّر أن السعادة الحقة تنحصر بالنسبة للانسان في شواغل العقل ومشاهد الذكاء . قال أرسطو : « قد يمكن أن تكون هذه الحياة الشريفة فوق طاقة الانسان ، أو على » « الأقل أن الانسان يعيش هكذا لا من حيث هو انسان ، بل من حيث إن » « فيه شيئا قدسيا . وبمقدار سموّ هذا الأصل القدسي عن المركب المضاف اليه » « يكون سموّ فعل هذا الأصل عن كل فعل آخر . حينئذ إذا كان الادراك أمرا » « قدسيا بالنسبة لبقية شخص الانسان ، فتكون حياة الادراك الخاصة حياة قدسية » « بالنسبة للحياة العادية للانسانية . وما دام الادراك هو في الحقيقة كلّ الانسان ، » « كانت عيشة الادراك أسعد صنوف العيشة التي يستطيع الانسان أن يعيشها » .
ولكيلا يترك أرسطو على فكرته الحقة أثرا من الخفاء البتة ، جعل يثبت أن الفضيلة التي تقتضى لتحققها من الوسائل المادّية أكثر مما تقتضيه من الذكاء ، انما هي فضيلة مرتبتها تحت مرتبته بكثير ، وأن السعادة الإلهية لا يمكن أن تكون إلّا فعل الادراك الأبدي ، وأنه إذا كانت الحيوانات لا يمكن أن تكون سعيدة ، فذلك لأنها لا تفكر البتة . وعلى جملة من القول استنتج أرسطو أن السعادة هي فعل التأمل ، وأن الحكيم هو الوحيد الذي يكون أسعد ما يكون المرء على هذه الأرض ، من غير أن ينتظر شيئا وراء ذلك على ما يظهر .
تلك هي فكرة أرسطو الحقيقية . فعند ما يقول لنا : إن الغرض الاسمي للحياة هو فاعلية النفس بالمطابقة للفضيلة ، فليس معناه أن فضيلة تفعل في الخارج ، بل هي
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 96
مساهمون: أرسطو
ص٩٦