تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بالفضيلة هي الوحيدة ، وأما الأخريان فليسا إلا نوعين منحطين لا قيمة لهما إلا بمقدار قربهما منها . لا يكاد يكون للمرء إلا صديق واحد ، فأخلق بمن أعطى قلبه إلى كثير من الناس أن لا يكون قد أعطاه إلى أحد منهم . إن الصداقة بحكم العادة تجمع بين المتساويين ، غير أنها يمكن في الدائرة الواسعة التي تشغلها أن تكون بين شخصين أحدهما أعلى من الآخر . فان المحبة ليست أقل شدّة بين الوالدين والأولاد مع أنها مختلطة عند هؤلاء بالاحترام والتنازل . على أنه يجب أن لا يكون الفرق في منزلة الصديقين كبيرا جدّا ، لأنه في هذه الحالة كل علاقة مستحيلة . لا يمكن للملوك أن يكون لهم أصدقاء على هذه الأرض ، لأنهم أرفع منزلة من جميع الناس . ومن التدنيس المجونى أن يقال إن للآلهة أصدقاء . إن أكثر الناس ليحملهم الطمع الأنانى على أن يؤثروا أن يحبهم الغير أكثر من أن يحبوه . غير أن الصداقة إنما تنحصر في أن المرء يحبّ أكثر من أن تنحصر في أنه يحبّ . لا أريد أن أقف بهذه الاعتبارات أكثر مما فعلت وأسارع إلى اقتفاء طريق ينبغي أن يكون هو أيضا طويلا ، غير أنه قد يكون من الظلم إغفال ما بهذه النظريات من السموّ ومن الحقيقة العملية . فان كل ما يقوله أرسطو على العائلة وعلى الروابط بين الزوج وزوجه حقيق بالذكر والتنبيه . يسير علينا أن نظن أن هذه الايضاحات الخاصة بالأخلاق الاجتماعية لم تكن معروفة عند الأقدمين ، وأن نسندها إلى أزمنة متأخرة ، لنرضى ما بنا من حب للفخر . ولكنه يرى عند قراءة أرسطو أن هذا ضلال بعيد . فقد فهم هذا الفيلسوف العائلة ، كما نستطيع أن نفهمها في قلب تمدّننا هذا على السواء . لقد كان التشريع القديم فيما يتعلق بالعائلة أقل تقدّما منه الآن ، ولكن الفلاسفة قد كانوا التراجمة الأمناء لجميع الإحساسات التي يلهمنا الطبع إياها ، والتي لم يقرّرها القانون إلا بعد الأبحاث الفلسفية بزمان طويل .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 95 | أرسطو