تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢

ليست حينئذ معرفة الخير لذاته أمرا تافها كما يريد أرسطو أن يقنع نفسه به . لا شك في أن هذه المعرفة - كما قال أرسطو متهكما - لا يمكن أن تنفع الحائك والبناء والطبيب بأن تزيدهم مهارة في صناعتهم . وفاته أنها لازمة للانسان ليعلم ما هو قانون الأخلاق الذي يقتدى به ، ومن أين مصدره . فلم يبق على أرسطو إلا أن يصرح بأن الطبيب والقائد والبناء والحائك ليسوا أناسا . حقا أنه يلزم الاعتداد بالخدم السامية التي يؤدّيها هؤلاء إلى الجمعية الانسانية ، غير أن الفلسفة التي لا تعرف كل هذه الامتيازات السطحية ترى واجبا عليها أن تشتغل بأمر فضيلتهم أكثر من أن تشتغل بثروتهم . لذلك هي تنصح لهم - لا باعتبارهم أهل صناعة بل باعتبارهم أناسي - أن يفكروا في الخير لذاته ، ذلك الخير الذي له في حياتهم من حيث لا يشعرون محل أرحب مما لتلك الفنون التي يعيشون بها . يزعم « كنت » أن المذاهب اليونانية لم تستطع البتة أن تحل النظرية التي وضعتها ، وهي نظرية الامكان العملي للخير الأعلى ، لأنها بوقوفها عند الصور التي يستعمل فيها الانسان إرادته الحرّة كانت تظن - كما يقول - « أنه لا حاجة في ذلك لوجود اللّه « 1 » » . ترى كم يكون هذا اللوم ظالما فاسدا إذا وجه إلى أفلاطون . ولكنه صحيح جدّا إذا كان « كنت » موجّها إياه إلى أرسطو . فإنه قد أساء حل مسئلة الخير الأعلى ، ولم يجعل للّه في أمره شيئا كثيرا ولا قليلا ، اللهم إلا في هذا الأمر الغامض الذي يسمونه الحظ أو المصادفة في تقسيم الأرزاق . غير أن أرسطو قد أساء حل النظرية لا لأنه لم يذكر اللّه ، بل لأنه التبس عليه الخير بالسعادة مع كونهما في غاية التمايز ، ولأنه أسند إلى أحدهما الذي هو باق ومطلق ما للآخر من الفناء وعدم الثبات .

هامش
( 1 ) كنت . انتقاد العقل العملي ، ك 2 ب 5 ص 336 ترجمة برنى .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 82 | أرسطو