على الخير لذاته في علاقاته بسلوك الحياة ؟ انما عنى بذلك أن كل واحد منا متى سمع ما يوحى به إليه ضميره فإنه يجب أن يعمل ما يراه خيرا بصرف النظر عن جميع النتائج النافعة أو الضارّة التي تنتج عن العمل الذي يقتضيه قانون الأخلاق . ولكن أرسطو الذي لا يرى الخير إلا في السعادة ، والذي دون أن يعترف بذلك اعترافا صريحا لا يحكم على عمل بأنه خير إلا بمقدار نفعه . يتساءل عبثا أين هو ذلك الخير في ذاته ، وما ذا عساه أن يكون ؟ يعيب على أفلاطون أنه وضع هذا الخير الخيالي خارجا عن الأشياء التي فصله عنها ، وأنه خلق معنى مجوّفا لا مادّة له . وهذه تهمة لا سند لها على الاطلاق ، ولو أن فيلسوفا وصل بين الخير وبين الأشياء ، وتعرّف الخير في جميع الصور في الدنيا بأسرها ، لكان هو أفلاطون الذي ينسب إليه بحقّ اختراع التفاؤل . غير أن أرسطو - الذي يعتقد الناس أنه أضبط المشاهدين نظرا - قد أغفل في هذا المقام واقعة مهمة لم تفت أفلاطون البتة . تلك هي أن جميع السرائر المستنيرة الفاضلة مجمعة على المبادئ العامة التي يجب أن تتمشى عليها الحياة ، والتي تنطبق على جميع أعمال الأفراد .
متى تقرر هذا ، فإنه يمكن التحقق من أن قلبين فاضلين يتماثل سلوكهما باتحاد الأسباب المسببة لهذا السلوك . من هذا يجيء ذلك التوافق بين نفسين لم تتعارفا البتة . وكيف يقع التوافق من غير مفاوضة ؟ ذلك بأن صوتا واحدا بعينه هو الذي يكلم إحداهما ويكلم الأخرى . ذلك بأن الخير الذي تتعاطيانه مطيعتين إياه لا يجيء منهما ، وإنما يصدر من مصدر أسمى . قال أفلاطون : إنه مدد من اللّه ذاته . هذا هو الخير لذاته الذي يأتيه المرء بمقدار ما يسمح له ضعفه بأن يفعل الخير لا لشئ إلا لأنه هو الخير ، وأن يصل سببه بالله متى أراد أن يعرف من أين يأتيه وحى الضمير .
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 81
مساهمون: أرسطو
ص٨١