تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
الضمير ، وكما لو كان الذوق العام قد حل محل العقل . أما أفلاطون فإنه من الحكمة على غير هذا . إنه كان أكثر احتراما لأشباهه الذين هم مثله خلق اللّه وأهل للفضيلة ، من أن يستهين حتى بتقاليدهم القومية ، غير أنه يؤوّلها دون أن يتخذها قاعدة لنظرياته . فهو يرجع إليها متأوّلا مفاهيمها ، ولما لم يجد مناصا من إقرارها ، ردّها إلى مقدار ما تحتويه من حق ، وأقرّها إقرارا يجعل لها قيمة وسلطانا . إنه يرى استفتاء تلك التقاليد في الغوامض التي تسمو عن طاقة العقل الانساني مع عدم إغفال الرجوع إلى العقل . أما فيما يتعلق بهذه الحقائق الكبرى التي يحملها الضمير بغاية الجلاء فهو لا يستفتى إلا الضمير ، ولا يطلبها إلا من المشاهدة اليقظة للنفس دون أن يهتم شيئا ما لا بالرأي العام ولا بظواهر الأمور . إليك أيضا نتيجة سيئة لهذه النظرية الفاسدة ، نظرية الخلط بين الخير الأعلى وبين السعادة . أرجو أن تغتفر لي هذه الجرأة في الانتقاد فأقول : إن أرسطو لم يفهم شيئا من نظرية أفلاطون على الخير في ذاته . بل هو يعامل نظرية أستاذه المعصوم بقسوة قد تتمثل لكثير من الأنظار في صورة الإجحاف . وإني لا أقف عند أدلته الدقيقة للغاية ، لأنها مبسوطة في مؤلفاته ، ولكني ألخصها كلها في دليل واحد ليس واردا بالنص ، ولكنه هو أساس مجموع الأدلة الأخرى وهو : نظرية الخير في ذاته خيال ، وليس فيها شئ من الواقعي ولا من العملي ، فهي فارغة ولا فائدة فيها . وقد ألحّ أرسطو كثيرا في تقرير أن الخير الذي يبحث عنه ، والذي يجب على علم الأخلاق درسه هو خير انساني محض ، خير في طوق الانسان أن يناله . يوهم أن سقراط كان عائشا في عالم الأحلام ، وكأن معاناته التزام الفضيلة الباسلة لم يكن من جانبه إلا خطأ بعيدا وانخداعا مستمرّا . بيد أن أفلاطون هو أيضا يتمدح بأنه لا يطلب إلا خيرا إنسانيا ، فما ذا عنى إذن بكلامه
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 80 | أرسطو