هامش
- أي حال ، بل هما في أعلى فراديس الجنات . أما الكلام في حديث مسلم : فقد عرفت أن المالكية والأشاعرة ، قد احتجوا بقوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وظاهر اللغة والعرف والسياق تفيد أن الرسول هو الإنسان الذي يوحى إليه من عند اللّه تعالى ويؤمر بالتبليغ ، فتأويله بالعقل تعسف واضح ، ومتى نطق كتاب اللّه بأمر يؤيده العقل وجب تأويل الأحاديث التي تخالفه إذا أمكن تأويلها ، وإلا وجب العمل بما يقتضيه كتاب اللّه تعالى . وحديث مسلم هذا يمكن تأويله ، وهو أن المراد بأبى النبي - صلى اللّه عليه واله وسلم - أبو لهب ، فإن اللّه تعالى قد أخبر أنه في النار قطعا ، والأب يطلق في اللغة على العم ويؤيد هذا التأويل نص الحديث وهو : ( أن رجلا قال : يا رسول اللّه أين أبى ؟ قال : في النار ، فلما قفا دعاه فقال : إن أبى وأباك في النار ) فظاهر هذا يفيد أن أحد المسلمين سأل عن مقر أبيه الذي مات مشركا ، ولم يجب دعوة النبي - صلى اللّه عليه واله وسلم - ، فقال له النبي - صلى اللّه عليه واله وسلم - : ( إنه في النار ) فظهر على وجه الرجل طبعا أمارة الحزن والأسف ، فولى اسفا ، فأراد - صلى اللّه عليه واله وسلم - أن يزيل ما علق بنفس الرجل من أسى ، فاستدعاه ثانيا وقال له : ( إن أبى وأباك في النار ) ومعنى هذا أنه إذا كان أبوك في النار لأنه لم يؤمن بي ، فلا تجزع لأن أبى أنا ، وأنا رسول اللّه ، في النار لأنه لم يؤمن بي ، وهو أبو لهب طبعا ، فإن اللّه تعالى قد أخبر نبيه بأنه لم يؤمن ، فهو من أهل النار حتما . وأظن أن هذا المعنى لا تكلف فيه ولا تعسف ، بل هو الظاهر المعقول لأن كون النبي - صلى اللّه عليه واله وسلم - يخبر بأن أبويه في النار وهما لم يعارضاه في دعوته ولم يرفضا ما جاء به لا فائدة فيه للناس ، إذ لا زجر فيه لأحد ، وإنما الذي يصح أن يزجر الناس كون أبى لهب المعارض للدعوة في النار . والحاصل أن الأحاديث الواردة في مثل هذا المقام يجب أن تحمل على نحو ما ذكرنا ، ومن لم يستطع تأويلها وقف معها موقف المفوض الذي عجز عن التأويل ، وعمل بما يقتضيه ظاهر كتاب اللّه تعالى المؤيد بالعقل ، واللّه يهدى إلى سواء السبيل . هذا ، والحق في هذا المقام أن أهل الفترة ناجون جميعا ، وإن غيروا وبدلوا ، كما يقول الجمهور من أهل السنة ولا عبرة بمن شذ .