هامش
- وحينئذ لا يفهم من الآية أن المراد بالمنافع الثواب الأخروي وبالمضار العذاب الأخروي ، ولذا قال تعالى : ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) بيانا لمعنى القصر المذكور ، فهو سبحانه يقول : كل واحد ينال جزاء عمله من خير أو شر ، قال تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فلا يعطى أحد ثواب عمل غيره في الآخرة ، ولا يحمل أحد عقاب وزر صاحبه ، وكل هذا في الآخرة بدون نزاع ، أما في الدنيا فإن صلاحها من أجل الصالحين يفيد غيرهم من الفاسقين والكافرين ، وفسادها بالخراب يؤذى أهلها ، سواء كانوا صالحين أو فاسدين . وبعد أن قرر اللّه ذلك أراد أن يظهر منته على عباده ، فقال عز وجل وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فلا يؤاخذ اللّه الناس بضلالهم ، ولا يعذبهم في الآخرة على عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم التي لا يرضاها إلا بعد أن يرسل رسلا ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) . فإن لهم أن يقولوا : إننا لا نعلم أن هذه العقائد أو هذه الأقوال والأعمال لا ترضيك ، فتكون لهم المعذرة ، ولا يكون للّه عليهم الحجة البالغة ، ولا يمكن أيضا قصر رفع العذاب عنهم على الأقوال والأعمال بحيث لا يعذبون عليها هي ، أما معرفة اللّه تعالى وتوحيده فإنهم يعذبون عليها وذلك لأن هذا دليل عليه مطلقا ، بل الدليل قائم على خلافه ، وهو كلمة الضلال ، فإن اللّه دائما يصف المشركين بالضالين من أجل الشرك وعبادة الأوثان ، أما أعمالهم الفرعية من معاملات ونحوها فقل أن يعرض لها إلا على طريق التهذيب والتأنيب ، انظر مثلا إلى ما كانوا عليه من فساد في مسألة الأنكحة وغيرها ، فلما أراد اللّه أن يهذبهم شرع لهم بعد إسلامهم ما فيه سعادتهم ، فاقرأ قوله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً وقوله : ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) واية الدين ، واية المواريث ، والوصية ، والعدة ، وإباحة النساء الأربع دون سواها والصيام والصلاة والحج ، فإن كل هذا بعد الإسلام ، ولم يكن محل نزاع بين المشركين وبين الرسل ، بل كل النزاع كان مقصورا على التوحيد ، فالضلال المذكور في الآية من ضلال الشرك وعدم معرفة الإله ، فهؤلاء الضالون لا يعذبهم اللّه إلا إذا أرسل لهم رسولا بلا نزاع . وبعد ، فلم يثبت أن اباء النبي كانوا مشركين ، بل ثبت أنهم كانوا موحدين ، فهم أطهار مقربون ، ولا يجوز أن يقال : إن أبوى النبي - صلى اللّه عليه واله وسلم - كافران على -