تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشر الأعطار ونثر الأزهار في نجاة آباء النبي الأطهار ( ص ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
هامش
- العذر ، وهذا هو المعقول المطابق لسنن اللّه في خلقه ، فإن اللّه سبحانه قد أرسل الرسل من بدء الخلق إلى أن استقرت وختمت بالشريعة الإسلامية التي لا تقبل الزوال ، بل جعل اللّه في طبيعتها ما يجعلها تنمو وتزداد كلما تجدد الزمن ، وليس من المعقول أن تقول : إن اللّه أرسل الرسل لتبليغ الشرائع الفرعية وتبليغ أحوال الآخرة فحسب . أما معرفة اللّه الواحد المنزه عن كل ما لا يليق به فواجبة على الناس بطبيعتهم ، فعليهم أن يعرفوا ذلك من غير الرسل وإلا كانوا معذبين ، لأن هذا القول ينقضه الواقع القطعي ، فإن أول شئ اهتم به الرسل هو توحيد الإله . بل كان كل همهم منحصرا في توحيد الإله ، ولولا ما أودعه اللّه في الرسل من أسرار وقوى مؤثرة فوق طبائع البشر ، لما وجد على ظهر الأرض موحد ، اللّهمّ إلا شواذ العالم في الذكاء النادر والفطنة الباهرة ، أمثال زيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة ، وكبار فلاسفة العالم الذين لا يتجاوزون عدد أصابع اليد ، فهل يعقل أن اللّه العليم بطبائع عباده يلزمهم بالتوحيد من دون إرسال رسل ؟ إن ذلك يكون قصرا لنعيمه على أفراد قلائل من خلقه ، وتعذيب الباقين ، وأين هذا من كرم اللّه ورحمته بعباده ؟ بل أين هذه من قوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . وقوله تعالى : ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) ، أي دليل يخصص الآية الثانية بغير توحيد الإله ؟ ! فإن اللّه سبحانه جعل للناس الحجة عند عدم إرسال الرسل ، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها ، ومن الغريب أن مقاومة الرسل ما كانت إلا في توحيد الإله ، فإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، ولوط ، وهود ، وصالح ، وشعيب وغيرهم صلوات اللّه عليهم أجمعين - لم يضطهداهم أقوامهم إلا من أجل معرفة الإله وتوحيده ، ولم يظهر جهادهم إلا في توحيد الإله ومعرفته ، ونظرة واحدة إلى كتاب اللّه تبين مقدار عنايته بمحاربة الوثنية ، فقد ملئ بالأدلة الكونية وضرب الأمثال المحسة والحجج القطعية على وجود الإله ووحدانيته ، ومع ذلك فقد كانوا من أشد الناس عنادا وإصرارا ، وغفلة ، عن الإله ووحدانيته ، فهل مثل هؤلاء كانت عقولهم كافية في معرفة الإله ؟ ولم توجد أمة من الأمم في زمن من الأزمنة على غير هذا المنوال ، فنظرية أن العقل كاف في معرفة الإله من دون رسل تتصادم مع طبيعة المخلوقات بدون استثناء ، اللهم إلا إذا قلنا : إن اللّه خلق الناس أجمعين ليعذبهم ويقصر نعمته على أفراد قلائل لا تتجاوز الأصابع عدا ، كلا إن اللّه أرحم من أن يعذب عباده من غير أن يبين لهم طريق الهداية والرشاد . -