هامش
- فالحق أن أهل الفترة ناجون وإن غيروا وعبدوا الأصنام ، كما يقول الأشاعرة والمالكية وبعض محققي الحنفية ، كالكمال بن الهمام ، والماتريدية قد اختلفوا أيضا ، فمنهم من قال : إنهم ناجون ، ومنهم من اشترط لنجاتهم أن يمضى زمن يمكنهم النظر فيه ، ولا يموتوا وهم مشركون بعد النظر ، ولما كان الماتريدية ، والحنفية شيئا واحدا ، فقد أول بعضهم ما ذهب إليه بعض الماتريدية من نجاتهم بأنه محمول على ما إذا ماتوا موحدين فلا خلاف فيه لأحد فالذي قال من الماتريدية : إنهم ناجون لا يريد به إلا نجاتهم بعد موتهم مشركين ، وإلا كان هازلا ، لأن من قال لا إله إلا اللّه مخلصا دخل الجنة ، وإن قضى طول عمره مشركا باتفاق المسلمين . هذا وقد أول بعض علماء الحنفية قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا بوجه آخر ، فقال إن المراد بالعذاب الاستئصال في الدنيا ، فاللّه تعالى لا يهلك الأمم في الدنيا إلا بعد أن يرسل لهم الرسل فلا يصدقونهم ويضطهدونهم ، وعند ذلك يهلكهم اللّه في الدنيا ، أما عذاب الآخرة فإنه يقع على من مات مشركا ، ولو لم يرسل اللّه لهم رسولا . ولكن الواقع أن الآية تدل على عكس ذلك على خط مستقيم ، وإليك البيان : قال تعالى مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ، فاللّه سبحانه وتعالى قصر هداية الشخص وضلاله على نفسه ، وظاهر أن المراد قصر ما يترتب عليهما من نفع وضرر ، فكل ما يترتب على هداية المرء من منفعة ، وكل ما يترتب على ضلاله من ضرر مقصور عليه وحده ، وإذا كان كذلك فهل يتحقق هذا المعنى في الدنيا فقط . أو في الآخرة فقط أو فيهما معا ؟ ولا يفهم من هذا إلا أنه يتحقق في الآخرة فقط ، وذلك لأن منافع هداية الناس واستقامتهم ليست مقصورة عليهم وحدهم في الدنيا ، بل تتعداهم إلى أبنائهم وأهليهم وعشيرتهم ، بل وتتعداهم إلى المجتمع ، وهذا واضح ، وكذلك مضار الضلال ليست مقصورة على الضالين فقط . فكم صرع المضلون غيرهم وأوردوهم موارد الهلاك والفناء ، وشر الضلال في تربية الأبناء والأهل ، واثاره ظاهرة في المجتمع ، وكذلك إذا قصرنا المنافع على ما يسوقه اللّه تعالى من خير وشر ، فإن الخير الذي يجئ بسبب الصالحين لا يقتصر عليهم بل يعم غيرهم ، والسنة الصحيحة مملوءة بهذا ، والشر الذي ينزل بسبب الضالين لا يقتصر عليهم ، ولهذا قال تعالى : ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) . -