تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 3087

مساهمون:

ص٣٠٨٧
لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
( الذاريات / 50 ) ، فقال الطّبريّ - عند تفسير هذا الجزء من الآية الكريمة - : « اهربوا أيّها النّاس من عقاب اللّه إلى رحمته بالإيمان به واتّباع أمره والعمل بطاعته » « 1 » ، وقال القرطبيّ في معنى هذه الآية الكريمة : قل لهم يا محمّد ، أي لقومك :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
( الذاريات / 50 ) أي فرّوا من معاصيه إلى طاعته . وذكر عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - قوله في هذه الآية : فرّوا إلى اللّه بالتّوبة من ذنوبكم ، وروي عن ابن عبّاس أيضا في هذه الآية : فرّوا منه إليه واعملوا بطاعته ، وقال بعضهم : فرّوا من طاعة الشّيطان إلى طاعة الرّحمن ، وقيل : فرّوا من الجهل إلى العلم ، ومن الكفر إلى الإيمان ، وقيل : فرّوا إلى ما سبق لكم من اللّه ، ولا تعتمدوا على حركاتكم « 2 » . وقال الشّوكانيّ : فرّوا إلى اللّه بالتّوبة من ذنوبكم عن الكفر والمعاصي ، وقيل معنى ففرّوا إلى اللّه : اخرجوا من مكّة . وقال الحسين بن الفضل : احترزوا من كلّ شيء غير اللّه فمن فرّ إلى غيره لم يمتنع منه ، وقيل : فرّوا من طاعة الشّيطان إلى طاعة الرّحمن ، وقيل : فرّوا من الجهل إلى العلم « 3 » . وقال أبو حيّان : فرّوا إلى اللّه : أمر بالدّخول في الإيمان وطاعة اللّه ، وجعل الأمر ذلك بلفظ الفرار لينبّه على أنّ وراء النّاس عقابا وعذابا وأمرا حقّه أن يفرّ منه ، فجمعت لفظة ففرّوا بين التّحذير والاستدعاء ، وقال الزّمخشريّ : فرّوا إلى طاعته وثوابه من معصيته وعقابه ووحّدوه ولا تشركوا به شيئا « 4 » . ونستخلص من جملة هذه الأقوال وغيرها أنّ الفرار إلى اللّه اصطلاحا يعني : أن يفزع الإنسان ويهرب من عقاب اللّه ومن الشّيطان والمعاصي والجهل وكلّ ما عدا اللّه إلى طاعة الرّحمن والدّخول في الإيمان . قال ابن القيّم - رحمه اللّه - : من منازل
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( الفاتحة / 5 ) : منزلة الفرار : قال اللّه تعالى :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
وحقيقة الفرار : الهرب من شيء إلى شيء ، وهو نوعان : فرار السّعداء ، وفرار الأشقياء . ففرار السّعداء : الفرار إلى اللّه - عزّ وجلّ - وفرار الأشقياء الفرار منه لا إليه . وأمّا الفرار منه إليه : ففرار أوليائه . قال صاحب المنازل : هو الهرب ممّا لم يكن إلى من لم يزل . وهو على ثلاث درجات : فرار العامّة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا . ومن الكسل إلى التّشمير جدّا وعزما . ومن الضّيق إلى السّعة ثقة ورجاء . يريد بما لم يكن « الخلق » ، وبما لم يزل « الحقّ » . وقوله : ( فرار العامّة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ) : فالفرار المذكور : هو الفرار من الجاهلين : من الجهل بالعلم إلى تحصيله ، اعتقادا ومعرفة وبصيرة . ومن جهل العمل إلى السّعي النّافع ، والعمل الصّالح
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ( 11 / 473 ) . ( 2 ) تفسير القرطبي ( 17 / 36 - 37 ) باختصار وتصرف يسير . ( 3 ) فتح القدير ( 5 / 91 ) . ( 4 ) البحر المحيط ( 8 / 142 ) .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 3087 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح