إن الإيمان وما يتبعه من الاحتساب ، والتوكل على اللّه ، والرضا بقضاء اللّه وقدره والإيمان به ، والذكر ، وتلاوة القرآن « 1 » هو المسكن الأول أو الخطوة الأولى في علاج ما ينتاب المبتلى بالضراء وهي تنقذه من أن يقع فريسة لانشغال الفكر بالهموم المادية أو المعنوية ومن تشتت العقل بتأثير القلق على المستقبل ، كما أنها تبعد عنه الوساوس التي تعصف بالإنسان وتجعله غير قادر على القيام بواجباته .
وقد أخبر اللّه عز وجل عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه ، وذل كل شئ لعظمته ، فقال :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 2 » .
وبمعرفة أنه سبحانه على صراط مستقيم ، في كل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه ، فإنه على صراط مستقيم . فهو سبحانه ماض في عبده حكمه ، عدل فيه قضاؤه ، له الملك وله الحمد ، لا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل ، إن أعطى وأكرم وهدى ووفق فبفضله ورحمته ، وإن منع وأهين وأضلّ وخذل وأشقى فبعدله وحكمته ، وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد : « ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن ، فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في قضاؤك ، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني ، وذهاب همي وغمي ، إلا أذهب اللّه همه وغمه وأبدله مكانه فرجا ، قالوا : يا رسول اللّه ألا نتعلمهن ؟ قال : بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن » « 3 » .
2 - الصبر والاحتساب :
تتمثل الخطوة الثانية في الصبر على آثار الابتلاء - أو بالأحرى - الحالات الناجمة عنه من الملل والقلق والاضطراب والوساوس ، في الصبر الجميل « 4 » والاحتساب تأسيا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، الذي أمره ربه بالصبر على الأذى أسوة بأولي العزم من الرّسل ، قال تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
« 5 » ، وقال عزّ من قائل :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
« 6 » ، فهذا الصبر يجعله في معية اللّه تعالى ، مصداقا لقوله سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *
« 7 » ، كما يجعله من أهل محبته ، فهو سبحانه القائل :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
« 8 » ، وأن يتيقن أن مع العسر يسرا وأن مع الكرب فرجا وأن اللّه سبحانه هو الذي يكشف ضره ، قال تعالى :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا *
هامش
( 1 ) انظر صفات : الإيمان - اليقين - الذكر - تلاوة القرآن - الرضا - الاحتساب ، من هذه الموسوعة .
( 2 ) هود / 56 .
( 3 ) الداء والدواء ص 349 ، وانظر الحديث في صفة التوسل ج 4 ، ص 1373 ، وقد خرّجناه هناك .
( 4 ) الصبر الجميل : هو الصبر الذي لا شكوى معه ، انظر صفات : الصبر ، الاحتساب ، الرضا ، القناعة والسماحة في مواضعها من هذه الموسوعة .
( 5 ) الأحقاف / 35 .
( 6 ) الأنعام / 90 .
( 7 ) البقرة / 153 .
( 8 ) آل عمران / 146 .