فإذا ابتلى اللّه المؤمن فاستردّ منه نعمة كان قد وضعها بين يديه ليبتليه بها ، فإن المؤمن يتذكّر بسرعة أنّ اللّه هو مالك كلّ شيء ،
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
« 1 » ،
وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
« 2 » . ويتذكّر أيضا أنه هو نفسه مملوك للّه ، وأنّ جميع الخلائق مملوكون له سبحانه وأنهم عباده ، وأنهم جميعا راجعون إليه ، فإذا رجع الملك إلى مالكه فعلام الحزن ؟ وعلام الأسى ؟ ولم الاعتراض ؟ ولماذا التسخط ؟
فحينما يتذكّر المؤمن قوله تعالى :
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
« 3 » ، وتذكر هذه الحقائق يعلن عبارة الإيمان التي تدلّ عليها فيقول :
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
.
هذه العقيدة الإيمانية رحمة من اللّه تملأ القلوب طمأنينة وتسليما ، ورضى عن اللّه - عز وجل - فيما جرت به مقاديره « 4 » .
فما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وأن يتمثل دائما قول اللّه تعالى :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
« 5 » ،
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
« 6 » .
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
« 7 » . أي بمشيئته وإرادته عز وجل . قال علقمة : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند اللّه فيرضى ويسلم ، وفي الآية بيان بأن من ثواب الصبر هداية القلب ، وصح في الحديث « لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له » واللّه عز وجل يقول :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« 8 » . وعليه أن يعلم يقينا أن اللّه وحده هو الذي يملك كشف الضر عنه مصداقا لقوله سبحانه :
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ
« 9 » .
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
« 10 » .
إن هذا الاعتقاد الجازم وذلك اليقين الإيماني يجعلان المبتلى يجدد صلته بخالقه ويجلب له سعادة واطمئنانا ، ويلقي عليه من السكينة عند وقوع البلاء ما يجعل نفسه آمنة مطمئنة راضية بقضاء اللّه وقدره ، وهنا يستطيع المسلم أن يتخلص من الاضطرابات الانفعالية التي تصيب المرء عادة عند وقوع البلاء ، وأفضل علاج نفسي لهذه الحالة هو ذكر اللّه - عز وجل -
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
« 11 » . وتلاوة القرآن ، قال تعالى :
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
« 12 » ، « 13 » .
هامش
( 1 ) فاطر / 15 .
( 2 ) الحديد / 29 .
( 3 ) الروم / 40 .
( 4 ) الأخلاق الإسلامية ( 2 / 475 - 476 ) .
( 5 ) التوبة / 51 .
( 6 ) الحديد / 22 - 23 .
( 7 ) التغابن / 11 .
( 8 ) البقرة / 216 .
( 9 ) يونس / 107 .
( 10 ) القصص / 68 .
( 11 ) الرعد / 28 .
( 12 ) الإسراء / 82 .
( 13 ) بتصرف واختصار عن : روح الدين الإسلامي ( ص 177 ) .