الفصل الخامس تعامل المسلم مع مواقف الابتلاء
ذكرنا أن المسلم ، بل الإنسان عامة يعيش دائما في لحظة ما من لحظات الابتلاء ، إذ هو فيما يتعلق بالابتلاء التكليفي إما في طاعة أو معصية ، وفيما يتعلق بابتلاء الفتنة إما في رخاء ودعة يرفل في ثياب النعمة أو في ضيق وكرب وشقاء ، تتكالب عليه صروف الدهر ويذوق البأساء أشكالا وألوانا ، فماذا يصنع في كل هذه المواقف ؟ على هذا السؤال سوف نجيب في الفقرات الآتية :
أولا : تعامل المسلم المبتلى بالضراء .
ثانيا : تعامل المسلم المبتلى بالسراء .
ثالثا : تعامل المسلم المبتلى بالمعاصي .
رابعا : تعامل المسلم المبتلى بالطاعات .
أولا : تعامل المسلم المبتلى بالضراء :
إذا ابتلي المسلم في بدنه أو أهله أو ماله ، فإن عليه أن يسير وفق المنهج الإسلامي الصحيح لمواجهة مثل هذه الحالة وتتلخص خطوات هذا المنهج في النقاط الآتية :
1 - اليقين والرضا :
- الخطوة الأولى : على المسلم أن يعتقد اعتقادا جازما بأن هناك حياة أخرى هي خير من هذه الحياة ، قال تعالى :
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
« 1 » ، وقال سبحانه :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
« 2 » ، ويعني اعتقاد هذا أن تلك المحنة مهما طالت فهي إلى زوال ، لأن الدنيا نفسها زائلة ، وهي لا تعدو أن تكون دار امتحان وابتلاء ، يقول اللّه تعالى :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
« 3 » . ومن هذا المنظور للحياة يتكون لدى الشخص المبتلى حوافز للرقي والسمو فوق المحنة ، فيجاهد نفسه ، ويقول عند المصيبة
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
« 4 » . وقد جعل اللّه هذه الجملة ذكر الذاكر بعد نزول المصائب ، لأن المصائب لا تعدو أن تكون سلبا للنّعم التي سبق أن أنعم اللّه بها عليه ، أو حرمانا من النعم التي أنعم اللّه بمثلها على عباده ، والنعم لدى التحقيق هي ملك للّه تعالى ، والناس وسائر عباد اللّه الذين ينعم عليهم بالنعم هم أيضا ملك للّه تعالى ، ومصير العباد كلّهم أن يرجعوا إلى مالكهم ، ومصير الأشياء كلّها أن تعود إلى مالكها سبحانه وتعالى ، فهو الذي يقول في كتابه :
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
« 5 » . وقال سبحانه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
« 6 » .
هامش
( 1 ) الأعلى / 17 .
( 2 ) النحل / 30 .
( 3 ) العنكبوت / 2 - 3 .
( 4 ) البقرة / 156 .
( 5 ) الذاريات / 58 .
( 6 ) فاطر / 3 .