ثمّ انعطف عليهم بكلمة فيها الثقة ، وفيها العدالة ، وفيها حكمة هذا التفاوت في الفرض والعطاء ، فقال :
« أوجدتم عليّ يا معشر الأنصار في أنفسكم ، في لعاعة « 1 » من الدّنيا ، تألّفت بها قوما ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم » .
ثم قال كلمة لم يتمالكوا أمامها ، فانفجر الإيمان والحنان في نفوسهم ، وتدفّق ، قال :
« ألا ترضون يا معشر الأنصار ! أن يذهب النّاس بالشّاء والبعير ، وترجعون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده ، لمّا تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به ، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك النّاس شعبا وواديا ، وسلكت الأنصار شعبا وواديا لسلكت شعب الأنصار وواديها ، الأنصار شعار ، والناس دثار ، اللّهمّ ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار » .
وبكى القوم حتّى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : « رضينا برسول اللّه قسما وحظّا » « 2 » « 3 » .
هامش
( 1 ) لعاعة : بقلة خضراء وناعمة ، شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها [ ومنه « ما بقي في الإناء إلّا لعاعة » والمعنى بقية يسيرة ] .
( 2 ) أصل الرواية في الصحيحين ، وساقه ابن القيم في « زاد المعاد » أجمع وأشمل الطرق فاعتمدنا عليه ، راجع الجامع الصحيح للبخاري ، [ كتاب المغازي ] باب « غزوة الطائف » [ رقم الحديث ( 4330 ) ، و « صحيح مسلم » كتاب الزكاة ، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام . . ، برقم ( 1061 ) ، و « مسند الإمام أحمد » ( 4 / 24 ) ، من حديث عبد اللّه بن زيد رضي اللّه عنه ، وأخرجه أحمد أيضا ( 3 / 76 ) ، وابن هشام في السيرة ( 2 / 498 - 499 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه ] .
( 3 ) [ وفي الحقّ أنّ هذه الخطبة فريدة في لغات العالم ، وإنها كما قال مولانا الداعية المجدّد أبو الحسن علي الحسني الندوي حين اطّلع على شرحي لهذه الخطبة فقال : إنّي أحسن ستّ -