والعلوم الوهبية ، وموعظة وإنذارا ، في حكمة وبلاغة لا نظير لهما في تاريخ الديانات والنبوّات ، فلم تكن طريق أقصر من هذا الطريق ، ولا أسلوب أوضح من هذا الأسلوب .
فسكت القوم ، ولكنّ أبا لهب قال : « تبا لك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلّا لهذا ؟ ! » « 1 » .
وقد نبّه بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحكمة لا حكمة فوقها على أنّ العدوّ اللّدود كامن في نفوسهم ، مترصّد في بيوتهم ، وهو أولى بأن يخافوه ويأخذوا له عدّته ، فالجهل عن خالق هذا الكون وربّ العالمين ، وصفاته وأسمائه الحسنى ، والوقوع في حبائل الشّرك والوثنية ، وعبادة النفس والشهوات ، والاسترسال إلى الأوهام والخرافات ، وتعدّي الحدود ، وانتهاك الحرمات ، أكثر نفورا وأعظم خطرا من جيش مترصّد ، وكتيبة كمينة « 2 » يحسبون لها كلّ حساب ، ويفزعون لها كلّ فزع .
إظهار قومه العداوة وحدب أبي طالب عليه :
ولمّا أظهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدعوة للإسلام ، وصدع بالحقّ كما أمره اللّه تعالى ، لم يبعد منه قومه ، ولم يردّوا عليه حتى ذكر آلهتهم ، وعابها ، فلمّا فعل ذلك ، أعظموه وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعداوته .
وحدب على « 3 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمّه أبو طالب ، ومنعه وقام دونه ،
هامش
( 1 ) [ قد سبق تخريجه في ص ( 185 ) ] أصل الحكاية في ابن كثير : ج 1 ؛ ص 455 - 456 ، رواية عن الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس ، قال وأخرجاه من حديث الأعمش به نحوه .
( 2 ) الكمين : القوم يستخفون في مكمن ، ثم ينتهزون غرّة العدوّ فينهضون عليه .
( 3 ) [ حدب عليه : أي عطف ] .