وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمّه - وكانوا أهل بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة ، يعذّبونهم برمضاء « 1 » مكة ، فيمرّ بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويقول : « صبرا آل ياسر ! موعدكم الجنة » فأمّا أمّه فقتلوها ، وهي تأبى إلّا الإسلام « 2 » .
وكان مصعب بن عمير فتى مكة ، شبابا وجمالا وتيها ، وكان أبواه يحبانه ، وكانت أمّه غنية كثيرة المال ، تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقّه ، وكان أعطر أهل مكة ، يلبس الحضرميّ من النعال ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يذكره ويقول : « ما رأيت بمكة أحسن لمّة « 3 » ولا أرقّ حلّة ، ولا أنعم نعمة ، من مصعب بن عمير » .
وبلغ مصعب بن عمير أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في دار أرقم بن أبي الأرقم ، فدخل عليه ، فأسلم ، وصدق به ، فخرج ، فكتم إسلامه خوفا من أمّه وقومه ، فكان يختلف إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سرّا ، فبصر به عثمان بن طلحة يصلّي فأخبر أمّه وقومه ، فأخذوه وحبسوه ، فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى ، ثمّ رجع مع المسلمين ، حين رجعوا ، فرجع متغير الحال - قد حرج - يعني غلظ - فكفّت أمّه عنه من العذل « 4 » .
هامش
- ( 3 / 166 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنهما ] .
( 1 ) [ الرّمضاء : شدّة الحرّ ، ويقال أيضا للحجارة التي حميت من شدّة وقع الشمس ] .
( 2 ) سيرة ابن هشام : ج 1 ؛ ص : 319 - 320 [ وأخرج هذه القصة الطبراني في الأوسط من حديث عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، وقال الهيثمي في المجمع ( 9 / 293 ) : رواه الطبراني في الأوسط ، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوّم ، وهو ثقة ] .
( 3 ) [ اللّمّة : شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن ، سمّيت بذلك لأنّها ألمّت بالمنكبين ، فإذا زادت فهي الجمّة ( « النهاية في غريب الحديث » ج : 3 ، ص : 273 ) ] .
( 4 ) طبقات ابن سعد : ج 3 ، ص 82 ، والاستيعاب : ج 1 ، ص 288 .