عليه لمّة من الشيطان ، أو أن يكون به مسّ من الجنّ ، وأنّ ذلك يتنافى مع ما عرفته من حكمة اللّه ورأفته في خلقه ، فقالت في ثقة وإيمان وفي قوّة وتأكيد :
« كلّا ! واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنّك لتصل الرّحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق » « 1 » .
بين يدي ورقة بن نوفل :
وقد قالت ذلك خديجة ، اعتمادا على العقل السليم ، والفطرة الصحيحة ، وعلى تجاربها في الحياة ، ومعرفتها للنّاس .
ولكنّ الأمر كان أعظم من هذا ، وكان يحتاج إلى رجل له خبرة بالدّيانات وتاريخها ، والنبوّات وسننها ، ومعرفة بأهل الكتاب الذين عندهم أخبار الأنبياء وعلمهم .
فرأت أن تستعين في ذلك بابن عمّها العالم « ورقة بن نوفل » فانطلقت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليه .
وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورقة خبر ما رأى ، فقال ورقة : « والّذي نفسي بيده إنّك لنبيّ هذه الأمة ، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ، وإنّ قومك سيكذّبونك ، ويؤذونك ، ويخرجونك ، ويقاتلونك » .
وتعجّب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين قال ورقة : إنّهم سيخرجونك ، لأنّه كان يعرف منزلته عند قريش ، فلا ينادونه ولا يخاطبونه إلا ب « الصّادق » وب « الأمين » فقال متعجّبا : « أو مخرجيّ هم ؟ ! » .
قال ورقة : « نعم ، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عاداه النّاس
هامش
( 1 ) [ قد مرّ تخريج هذا الحديث على صفحة ( 180 ) الحاشية ( 1 ) ] .