تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
العسرة . ولعله كان دليلا في هذه الغزوة ، فتوفي في تبوك « 1 » ( رجب - أو بعده - السنة التاسعة للهجرة ) ، بعد إسلامه بقليل ! أما الصحابة الكرام - رضي اللّه عنهم - فكان حبهم للرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلم يتجاوز كل أنواع الحب ودوافعه وتعبيراته . وكل حياتهم على ذلك دليل . علما أن هذا الوضع الشرعي الذي يستدعيه الانتماء لهذا الدين لا بد أن يتجاوز مقداره ومستواه ونوعيته حب النفس والأهل والولد ، كما مر بيانه . ولكن هذا كان في نفوسهم حاضرا ومتدفقا وفعالا في واقع الحياة العملية لا يفتعلونه ولا ينبع من شعور إجباري أو دنيوي أو مشوب ، بل هو حب مشبوب كانت نفوسهم متوازية متلازمة مع هذا ، وهو ثمرة الصدق في الاتّباع لهذا الدين الإلهي ومنهجه الفريد الوحيد . كان أحدهم يتمنى أن يفدي نفسه له صلّى اللّه عليه وسلم ، ويجد في ذلك حلاوة ومتعة لا تعدلها متعة ولا تقدّم عليها ، بل إن أحدهم ليستقل نفسه في هذا . وكل أحداث السيرة الشريفة كذلك ، في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وفي السلم والحرب تعبر عن ذلك أقوى تعبير . وخذ في ذلك مثلا ما جرى في غزوة أحد المشهودة . وهذا الاستعداد المتقابل والتهيؤ المتواصل والتنامي المتماثل يجري في كل الأمور ، وجرى لدى هؤلاء الأصحاب . وأقصد من ذلك أن تربية هؤلاء الأخيار على دين اللّه تعالى جعل نفوسهم مستعدة للامتثال ، إلى حد أنها تمارس هذا المستوى ربما قبل نزول الأمر به من اللّه تعالى والكف عن المناهي قبل النهي بذلك فيها . حتى لتكاد نفوس هؤلاء الصحابة الكرام تطلب ذلك وتستشرفه وتتوق إليه قبل نزول الأمر فيه أو النهي عنه من اللّه تعالى ، ويتولاه الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلم . وهذا يمثل أحد معالم وميزات ومتفردات التربية القرآنية التي قد أرادها اللّه تعالى لأهل هذه الدعوة الربانية الكريمة التي لا تصلح
هامش
( 1 ) سبل الهدى ، ( 5 / 661 ) .