تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
التّعب والعناء ما يلقى في التجارة ، والزراعة ، والصناعة ، وغير ذلك من وسائل الكسب . وليس لجسم الإنسان من الفرو الضّافي ، والجلد المتين ما يدفع عنه عوادي البرد القارس ، والحرّ اللافح « 1 » ، لذلك هو مضطرّ إلى أن يعدّ بنفسه ما يقي جسمه حرارة القيظ ، ولوافح السموم ، وبرودة الشتاء ، وسواقع الزّمهرير « 2 » ، فيصنع مختلف الثياب المناسبة لكلّ جوّ ، ويعالج ما يصاب به من أمراض بما هداه إليه إدراكه من عقاقير ، وأدوية ، ووسائل . ومن كان من المخلوقات أقلّ نصيبا من الإدراك ، وأضعف حيلة في الحصول على متع الحياة ، وأسباب العيش ، تداركته الفطرة الإلهية ، فمنحته في نفسه ، وجسمه من أسباب الوقاية وأسلحة الجوارح ما يدفع به عن نفسه عادية الكون ومخلوقاته ، ويسّرت له سبل العيش : فمن الحيوانات ما وهبه الخلّاق العظيم مخالب قاطعة ، وبراثن مرهفة ، ومنها المسلح في فمه بأسنان مفترسة ، ومنها ذوات القرون ، وذوات الأجنحة ، والسوابح في اليمّ ، والمدافعة عن كيانها بالحمة السّامة ، إلى غير ذلك من الأسلحة والجوارح التي عوّض اللّه بها لبعض خلقه عما فقده من نعمة العقل ، ونور البصيرة ، ومذاهب الرأي . أما الإنسان المجرّد من مثل خرطوم الفيل ، وقرن الثور ، وسمّ الأفعى ، وحمّة العقرب وسائر أسلحة الدوابّ والهوامّ ، فكان لذلك أعزل ضعيفا ، إلا أنه قد أوتي من العقل الكامل ، والشعور الشامل ، والحسّ المرهف ، والفهم الثاقب ، والبصيرة النافذة ، ما لم يؤت أحد من خلق اللّه مثله . وهذه المواهب التي امتاز الإنسان بها على سائر المخلوقات تغنيه عما فقده من القوى الجسمية التي امتازت عليه بها الحيوانات القويّة ، فاستطاع أن يسخّر الفيل العظيم الهيكل ذا الخرطوم الطويل ، وأن يستذلّ الأسد الضّاري ذا البراثن الحديدية ، وأن يقبض على الأفعى الثائرة ، ويصيد الطيور المحلقة في جو السماء ، بل صار لا يعييه حوت في لجج البحار الزاخرة ، ولا وحش غابة كثيفة من الوحوش
هامش
( 1 ) الحرّ اللافح : الحرّ الحارق . ( 2 ) الزّمهرير : شدّة البرد .
الرسالة المحمدية — صفحة 19 | سيد سليمان ندوى