المفترسة الكاسرة ؛ لأنه قد اخترع بمواهبه العقلية أسلحة فاق بها على أسلحة سائر المخلوقات مجتمعة بلا استثناء .
مسؤولية الإنسان بقدر مواهبه :
سادتي : لا بدّ لكم أن تعترفوا - على اختلاف أديانكم ، وتباعد أوطانكم ، وتنوّع نزعاتكم وأفكاركم - بأنّ الإنسان قد انهالت عليه الواجبات ، وتعدّدت المسؤوليات بسبب ما امتاز به من عقل راجح ، ورأي حصيف ، وفكر ثاقب ، وفقه لطيف ، وهذه الواجبات والمسؤوليات تسمّى بلغة الشرع « التكاليف » وهي موجهة إليه من ناحية قواه الظاهرة والباطنة ، وكأنّ الإنسان قد خاطب الفطرة الإلهية بلسان مواهبه وقواه أن تفرض عليه عملا ، فكان بسببها مكلفا بهذه الواجبات التي تملأ وسعه ، وتتناسب مع طاقته ، قال اللّه عز وجل :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] .
وعبّر سبحانه عن هذا التكليف بالأمانة في قوله :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ الأحزاب : 72 ] . ولا يتصف بالظلم والجهل إلا المكلّف بالعدل والعلم ، والظلم والجهل من نعوت الإنسان لا ينعت بهما غيره ؛ لأنه لم يكلف بالعدل والعلم إلا هو ، فهاتان الصفتان من صفات الإنسان : الأولى ضد العدل ، والآخرى ضد العلم . وذلك لا يوجد إلا في الإنسان ، فالظلم تعدّي الإنسان حدوده ، واستعماله قوّته الظاهرة العاملة في غير محلّها .
والجهل نقص يتطرّق إلى الإنسان من جهة قواه العلمية . والظلوم يقابله العادل ، والجهول يضادّه العالم . والعدل والعلم يتصف الإنسان بهما بالقوة لا بالفعل ، فيحتاج إلى العدل لتكميل قوته العملية ، وإلى العلم والمعرفة لتكميل قوته العلمية . والقرآن الحكيم قد يسمي العدل بالعمل الصّالح ، والعلم بالإيمان . قال اللّه عز وجل :
وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ العصر : 1 - 3 ] فمن لم يعمل صالحا ؛ فقد ظلم نفسه ، ومن لم يؤمن باللّه ؛ فقد جهل . ولا ينجو من الخسران إلا من آمن وعمل صالحا . وقد أشهد اللّه الزمان على خسران الإنسان . ومن الظاهر البيّن أنّ المراد بالزمان الحوادث التي حدثت فيه منذ بدء العالم ، وقد صدق