تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
في الحيوان - مع الإحساس والشعور - إرادة قوية تحمله على الحركة : في القعود ، والنهوض ، والمشي . وللإنسان إحساس تامّ ، وإدراك كامل ، وإرادة بالغة ، وعزيمة ماضية ، وإلى هذه القوى الإنسانية - من شعور تامّ ، وإدراك كامل ، وإرادة قويّة ، وعزيمة صارمة - يرجع تكليف الإنسان ، ومن جرّاء ذلك قد حمل أثقال الفرائض ، وأعباء الواجبات . وكلّما كان نوع من أنواع المخلوقات أقلّ نصيبا من هذه القوى الموهوبة له من اللّه ، كان أخفّ عبئا في المسؤوليات ، وأقلّ واجبات في مناط التكليف . فالجماد ليس عليه واجب قطّ ، والنبات قد نال نصيبا من صفات الحياة فأصابه حظّ من الواجبات ، أما الحيوان فأكثر حظّا ، وأوفر نصيبا من الجماد والنبات في القوى الحيوية ، فثقلت عليه أعباؤه من واجبات الحياة وتكاليفها . ولما كان نصيب الإنسان من العقل والمدارك ، ومن الذكاء والفطنة ، أوفى من سائر المخلوقات وأوفر ؛ فقد ازدادت تكاليفه ، وواجباته بنسبة ذلك . وتتفاوت الواجبات والتكاليف بين أفراد بني الإنسان بحسب تفاوتهم في مناط هذه الواجبات والتكاليف ، أعني العقل والمدارك : فالمجنون ، والمعتوه ، والأحمق ، والصبيّ لا يطالبون بما يطالب به العاقل الفطن ، والعالم المثقف ، ولا يستطيع أولئك أن يقوموا بما يستطيع أن يقوم به هؤلاء ، وكلّ ذلك يرجع إلى تفاوت القوى الباعثة على العلم : بين شعور ناقص ، أو إحساس كامل ، وخمود الطبيعة ، أو توقد القريحة . بل منهم من لا يكلّف بواجب قطّ ، ومنهم من يكلّف ببعض الواجبات دون بعضها الآخر ، ومنهم من يضطلع بالعبء الأعظم من الواجبات والتكاليف . ثم إذا تأمّلنا المخلوقات وأمعنا النّظر فيها يبدو لنا أنّه مهما يكن عند مخلوق من شعور ناقص ، أو إحساس ضعيف ، أو إدراك ضئيل ؛ فإنّ القدرة الإلهية قد تتولّى تربيته ، وترعى نشأته ، وتختصّه بعنايتها ، حتى إذا امتازت صفاته ، وارتقت مميزاته ؛ فوّضت إليه الفطرة من أمر نفسه ما تحتمله قواه ، وتستحقّه مواهبه . أليس من مواهب اللّه لبعض أصناف الحجر أن تتحوّل في جبالها ومعادنها إلى ياقوت وزمرّد ، وصار لها هذا البريق الذي تتلألأ به أحجارها ، بينما باتت الأحجار الآخرى المجاورة
الرسالة المحمدية — صفحة 17 | سيد سليمان ندوى