تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
للياقوت والزمرد محرومة هذا الجمال الذي أخذ بالعيون ، والصفات التي تحيّر الألباب . ومن ذا الذي يغذو الحيتان في أعماق البحار ، والحيوانات في الآجام « 1 » والصحاري القاحلة ؟ ومن ذا الذي يشفي الحيوان إذا مرض ، ويقيه عوادي الحرّ والقرّ « 2 » في شهور القيظ وليالي الشتاء ؟ من جرّاء ذلك نرى هذا الاختلاف البادي في صور أفراد نوع واحد من الحيوان ، وهو يرجع إلى عوامل مختلفة : من برودة الجوّ ، وحرارة البيئة ، وطبيعة المناخ . فالكلب الأوروبي يختلف عن الكلب الإفريقيّ بقدر ما بين بلاديهما من اختلاف في الجوّ والبيئة ، فتختلف بسبب ذلك حاجاتهما ، وتتباين لوازم حياتهما . وقد هيأت الفطرة الإلهية لكلّ منهما أسباب العيش ، ولوازم الحياة التي تلائم طبعه ، وتقضي بها حاجاته . فللكلب الأوربيّ ما ليس لأخيه الكلب الإفريقيّ من الفرو « 3 » الأثيث الضافي « 4 » . وهكذا ترى الفرق جليا بين الحيوانات الشرقية والحيوانات الغربية في فرائها ، وشعورها ، وأوبارها ، وبراثنها ، ومخالبها ، وأظفارها بل ترى الفرق أوضح وأجلى في سحنها ، ووجوهها ، وهيئات جلودها . ومردّ ذلك إلى حكمة خالقها الحكيم المدبّر ، العليم بكل مخلوق ، وما يحتاج إليه في غذائه ، وبقائه ، ولوازم حياته . لقد تبين مما تقدّم : أنّ الخالق القيّوم جلّ جلاله تكفّل بحاجات مخلوقاته المسلوبة الإحساس والشعور ، وأنّ المخلوقات التي رزقت الشعور والإحساس قد وكلت إليها الفطرة الإلهية أمر السعي لتحصيل حاجاتها على قدر ما هي حاصلة عليه من الاستعداد الفطريّ لذلك ، فالإنسان مكلّف بالسعي في أسباب رزقه ، ومتاع حياته ، وهو يلقى من
هامش
( 1 ) الآجام : ( جمع الأجمة ) الشجر الكثيف الملتف . ( 2 ) القرّ : البرد . ( 3 ) الفرو : جلود بعض الحيوان ، كالدّببة والكلاب ، والثعالب ، تدبغ ويتخذ منها ملابس للدّفء وللزينة ( ج ) فراء . ( 4 ) الضافي : التامّ السّابغ .
الرسالة المحمدية — صفحة 18 | سيد سليمان ندوى