تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسالة المحمدية — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢

حكمة إرسال اللّه الرسل للبشر :

أليست سور القرآن الحكيم ، وأسفار التوراة والإنجيل ملأى بالقصص ، مسجلة بأنّ كلّ أمّة آمنت وعملت صالحا ، وعدلت في الحكم وجاءت بالحسنة قد أفلحت ، ونجت ، وسعدت ، وكلّ أمة ظلمت ، وكفرت بأنعم اللّه ، وركبت هواها ، وعدت طورها ، وتعدّت الحدود الفطرية قد هلكت ، وانقرضت دولتها ، وتقوّض صرح مجدها . إنّ في بعض آيات كتاب اللّه قصة لمؤمن عادل صالح ، وفي البعض الآخر منها قصة لظالم طاغ : كلّ ذلك ليرتدع الطّاغية عن طغيانه ، ويكفّ الفاسق عن الفسق ، وينتهي الظالم عن الظلم والبغي ، فيعودوا جميعا إلى الرشد ، ويكونوا عادلين مؤمنين صالحين . لأجل ذلك بعث اللّه الأنبياء والرسل - قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلم - إلى كلّ بلد ، بل إلى كلّ قرية ، ليكونوا بسيرتهم الصالحة المستقيمة أسوة لأممهم ، فتتبع الشعوب التي بعثوا إليها السنن التي يسنونها لأفرادهم وجماعاتهم ، فيستقيموا ، ويفلحوا جميعا ، أو تهتدي بهدي الأنبياء والرسل طوائف من قومهم على الأقل ، فيواصلوا الدّعوة ، ويسيروا في طريق الحقّ . وقد بعث اللّه إلى الإنسانية خاتم رسله محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بشيرا للناس كافة ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه بإذنه ، ورحمة للعالمين ، لتكون لهم فيه أسوة ، ويكون لهم من حياته الشريفة قدوة ، ثم يكون مثلا أعلى للذين يأتون بعده إلى أن تقوم الساعة . وقد جاء في القرآن الكريم على لسان نبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ يونس : 16 ] ، وذلك أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ولد فيهم ، وترعرع بينهم ، ونشأ أمام أعينهم ، وعاش بين ظهرانيهم برهة من الدّهر قبل بعثته ، فعرفوا أخلاقه كل المعرفة ، وجرّبوا عاداته وأعماله ، فهو لم يكن فيهم غريبا ، ولا خاملا ، ولا مجهول الأحوال . والوحي الإلهي في هذه الآية يقدّم حياة الرسول وسيرته الطاهرة قبل البعثة دليلا على نبوّته صلّى اللّه عليه وسلم وأنّ رسالته هي من عند اللّه العظيم ؛ ليؤمن به العرب ، ويصدّقوه فيما يخبر به ، أو يدعو إليه ، فإنّهم قد علموا مصبحه وممساه ، واختبروا أخلاقه وعاداته من صباه ونعومة أظافره إلى أن شبّ واكتهل ، وأعلن نبوّته ، وخرج إلى الناس يدعوهم برسالة الإسلام .