تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
أتتهم رياح عاصفة ، ومعها طير جاء جماعة بعد جماعة ، ترميهم بحجارة صلبة شديدة قوية تنفذ في الجسم ، لا تبقى في ظاهره ، بل تدخل في باطنه ، وراء جلده ، وقد جعلتهم كعصف مأكول ، أي كبقل أكل لبه ، وبقي قشره ، وقد قال علماء الأخبار أن تلك الحجارة الصلبة التي أرسلها الله تعالى بريح عاصف كانت صغيرة تشبه حب العدس ، وأن الطير كان يحملها في منقاره ، وفي رجليه . ولقد قال بعض الكتاب إنهم أصيبوا بالجدرى قرح أجسامهم ، ولعل جرثومة ذلك الداء الوبيل كانت في الأحجار التي رمتها الطيور التي جاءتهم وباء وبلاء ، وإهلاكا ، وقد كادوا من الشر كيدهم ، ودبروا بالفساد أمرهم ، وتحدوا بيت الله وهو أول بيت وضع للعبادة ، والذي كرمه الله وباركه . وليس عندي ما يمنع أن يكونوا قد أصيبوا بالجدرى بما رماهم الله تعالى به ، فقد قال ابن إسحاق في سيرته « حدثني يعقوب بن عيينة أنه أول ما رميت الحصبة والجدري بأرض العرب كان في ذلك العام » هذا كلام مقبول إذا قلنا أن الحجارة كانت تحمل معها جرثومة هذه الأمراض الفتاكة ، ولكن ما لا يقبل هو القول بأن الطير هي جراثيم ذلك المرض ، لأن هذا يكون مخالفا لنص الآية الكريمة ، إذ أن نص الآية الكريمة يفيد أن الطير رمتهم بحجارة قوية شديدة . 76 - إن ذلك العذاب الأليم الذي أصابهم في الدنيا ، فبعد أن أرسل الله تعالى عليهم الطير الذي جاء جماعة بعد جماعة ، ورماهم بالحجارة الجامدة التي كانت تنفذ إلى جسمهم ، وتضع فيه جراثيم الأمراض الوبيلة كالحصبة والجدري ، وصاروا يتساقطون في الطرق ، ويهلكون كل مهلك ، وقد وصف حالهم ابن إسحاق فقال : « خرجوا يتساقطون ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ، وأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم يسقط أنملة بعد أنملة ، كلما سقطت أنملة أتبعتها منها مدة ( صديد ) تمت قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء ، وهو مثل فرخ الطائر ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون » . عاد من حيث خرج ، ولكن فرق ما بين العودة والخروج ، إنه في الخروج ، كان قويا في بدنه مغرورا في نفسه يصحبه جيش لجب ، يحسب أن لن يغلبه أحد ، وقد غلب من قاومه حتى إذا جاء إلى رحاب الله يتحدى الله تعالى في بيته ، ويريد هدمه ، وقد جعله الله تعالى مباركا ، عاد مذموما مدحورا ، مقصوص الجناح ، لا مجازا ولكن حقيقة ، فقد تقرح جلده ، وتساقط ، وذهب تدبيره كله في ضلال العماء . وقد استجاب الله تعالى لعبد المطلب ، وهو اخذ بحلقة باب الكعبة يقول :
لا هم أن العبد يمنع * رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدرا محالك