أفزع ذلك العرب وأعظموه ، ورأوا مدافعته حقا عليهم ، فنفر منهم نفر بقيادة بعضهم وهاجموا أبرهة ، ولكنه هزمهم ، ومضى قاصدا البيت الحرام ، لا يقاومه أحد من العرب إلا هزمه ، واستمر سائرا لا يلوى على أحد من العرب إلا أخضعه .
وصل إلى الطائف ، وقد رأوا ما حل بغيرهم فمالأوه ، وخصوصا أنهم كانوا ينفسون على قريش ما كسبوه من شرف لقيامهم على سدانة البيت ، وحاولوا أن يجعلوا مكان تقديسهم بيتا بنوه للات إلههم المزعوم .
أهم الأمر من بمكة من قريش وكنانة وهذيل ، وسائر من كان بها ، وعلموا أنه لا قبل لهم بمقاومته لما عنده من قوة ، ولأن الانتصارات المتتالية في طول طريقه إلى مكة زادته قوة ، وزادتهم خوفا ، فسكتوا حتى يكشف المخبوء في قدر الله تعالى .
ولعل الفزع قد غلب عليه مما علم من منزلة للبيت في الكتب المقدسة ، ومنها كتب النصارى التي أشارت إلى ذلك ، فلم يرد أن يستمكن من البيت عنوة ، بل أراد أن يسلمه له أهله ، لا ليزيد بناءه ، بل ليهدمه ، فإن فعلوا كان ذلك مبررا في زعمه .
ومهما يكن فإنه قد تردد في القتال ، أو أراد أخذه بسلام ، فأرسل رسولا إلى مكة ، وقال له : سل من سيد أهل هذا البلد وشريفهم ، ثم قل له « إن الملك يقول لكم إني لم ات لحربكم ، إنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تعرضوا له بحرب ، فلا حاجة لي بدمائكم : فإن هو لم يرض إلا حربي فأتني به » .
ذهب الرسول إلى مكة ، وعلم أن سيد البلد وشريف مكة هو عبد المطلب بن هاشم فبلغه الرسول ، فأجابه عبد المطلب إجابة سليمة ، ولكن في طيها إيمان بالله رب البيت ، وذلك لا يخلو من إرهاب بقوة الله .
قال عبد المطلب للرسول : « والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم ، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمته ، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه » .
كان هذا الكلام السهل اللين يخفى في نفسه إنذارا شديدا لرجل كتابي نصراني ، لأنه بهذا الكلم اللين ينبهه إلى أنه لا يحارب أحدا من أهل مكة إنما يحارب الله ، ويهدم بيتا بناه بأمر الله أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، فهو مع هذا اللين يتضمن تهديدا يروّع من كان عنده اعتقاد بالله ، وإيمان برسالته .
وقد كان بلا ريب لذلك الكلام وقعه ، ومن الكلام الهادىء ما يفعل في النفوس ما لا تفعله المقاومة بالسيوف ، وخصوصا إذا كان الكلام لمن تعود الانتصار في الحروب ، وهزيمة من يدافعه ، إذ في هذا الكلام تهديد بحرب لم يألفها ولم يعرفها ، وهي حرب الله ، وحرب أبى الأنبياء .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 95
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٩٥