تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
مدبر الكون يجرى الأمور على مقاديرها بما قدره سبحانه وأراده ، وعلى ما ارتضاه من نظام
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ، وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » . 73 - سقنا هذا الكلام لتوضيح أن محمد بن عبد الله قد كان وجوده بركة على قومه من وقت أن علقت به أمه إلى أن قبضه الله تعالى إليه ، وأن البركة التي اتاها الله تعالى لقومه مباشرة من وقت العلوق به في بطن أمه ، كانت خيرا على الإنسانية كلها ، لأنها حمت البيت الذي كان أول بيت للناس ، وهو كعبة المسلمين . وهو المكان المقدس الذي قدسته الأديان كلها كما أسلفنا من قبل . وقد كان إنقاذ البيت ، وهو في بطن أمه ، إذ أن أبرهة ملك الحبشة واليمن أراد اقتلاع البيت من مكة وهدمه ، وأن يا بنى بدله في اليمن ليكون ذلك البيت الجديد هو مزار العرب ، ومثابتهم وأمنهم كما كان البيت ، وفي ذلك مصادمة لدعوة إبراهيم عليه السلام ، إذ يقول
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
« 2 » . وقد استعد بخيله ورجله من قبل الحمل بالنبي ، وساور مكة وأمه حامل به ، وقد ردهم الله مدحورين ببركة الجنين الذي بعثه الله تعالى برسالة تشرف البيت الحرام وتحميه ، ولنعرج على ذلك بكلمة موضحة موجزة .

أصحاب الفيل

74 - ال أمر اليمن إلى رجل من الحبشة اسمه أبرهة ، وصار لها حاكما بأمره ، وبنى بها كنيسة فخمة بصنعاء سماها القليس ، وأراد أن يحج إليها العرب ، وخاصة النصارى منهم ، فلم يؤثروها على البيت الحرام ، ولم يستبدلوها به ، وبعد بنائها بعث إلى النجاشي بالحبشة ، وهو لا يزال يعتبر نفسه تابعا ، وجاء في هذا الكتاب « إني بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليك حج العرب » . ولكن رجلا من العرب أدرك هذا المراد . فأراد تحقيرها ، وأحدث فيها شيئا استهانة وسخرية . فلما رأى أبرهة احتقار العرب لها ، واستمرارهم على الذهاب إلى البيت الحرام من غير وناء ولا تقصير لم يجد بدا لتنفيذ إرادته إلا أن يهدم البيت الحرام بجيش يسيره مجهزا بأعظم عدة ، وخرج بالفيل الذي يستخدمونه في الحرب مع الإبل والخيل .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 23 . ( 2 ) سورة إبراهيم : 37 .