وإذا عاد إليها بعد امنة وهي إحدى زوجتيه ، فإنه ليس لها أن تمتنع عليه لأنها زوجه ، فكيف يقال من بعد أنه رضيت به لغرة نور في جبينه ، ولو كان ذلك هو السبب ، ما منعها عند إجابته وعلى ثيابه طين ، لأن الأساس في نظرها أن تصل إلى أن يكون النور في رحمها لا يمنعها غبار طين أو نحوه .
فالخبر مضطرب في مبناه متناقض مع العقل في معناه ، فيردّ جملة وتفصيلا .
صفات سامية في امنة :
71 - اتسمت امنة كما يبدو من أخبارها ، أنها كانت صبورا ، وكانت تشبه البتول في سموها ، وفي اصطفاء الله تعالى لها في أن تكون أما لسيد البشر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما اصطفى مريم البتول لتكون أما للمسيح عليه السلام ، ولكن امنة ، ولدت محمدا وحملت به كسائر البشر .
وكانت شبيهة بالبتول في الصبر ، وفي خلاصها من فتن الزواج ، وكونها حملت صاحب أكبر رسالة في هذا الوجود .
إنها منحت زوجا مرموقا محبوبا تتمناه كل فتيات عصره ، ولكنه سرعان ما غادرها بعد الزواج بمدة قصيرة ، قدرها بعض الإخباريين بأنها ثلاثة أيام أو ثلاثة أشهر ، سافر ليمتار لأهله من قريش تمرا ، فذهب لأخوال أبيه بنى النجار ، ومات هناك .
فهذه الأم الصبور على فراق زوجها الشاب ، ولم تشتر عسل الزواج ورضيت الحرمان في سبيل نفع قومها ، إذ ذهب ليجلب لهم رزقا ، والمرأة الفاضلة ترضى باغتراب من تحب إذا كان الاغتراب لنفع قومه ، وإصلاح حالهم ، وارتضت صابرة ، أن يولد ولدها الحبيب في غيبة زوجها الحبيب الذي لم تلبث أن نالته حتى بعد عنها ، فكان الرضا بالانتساب إليه يغنى عن المتعة بقربه ، واكتفت من متعة هذا الزواج الطاهر بمتعة قرة عينها ولدها الحبيب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعاشت مطمئنة إلى أمل اللقاء ، وأن يجمع الله تعالى الشمل المتفرق كما أراد رب العالمين ، ولكن الله جلت قدرته أراد اختبارها فأفقدها زوجها في غربته ، فكانت الصابرة الكريمة القائمة على تربية ولدها ، الراضية بأمر ربها من غير أن يعرف عنها تململ بحياتها وعيشها .
ولما استغنى ولدها عن المراضع شدت رحالها مع وليدها ، وقطعت الفيا في والقفار في مشقة لا يقدر عليها إلا الصابرون ، وذهبت إلى يثرب لترى قبر زوجها الذي اختيرت له وهو مرمى الأنظار