ثم جاء من بعده ولده قصى وهو خير أولاده ، وأظهرهم ، وأبينهم أثرا في قريش فهو الذي جمع الله به قريشا ، وكان اسمه زيدا ، فسمى مجمعا ، لما جمع من أمرها ، ويسمى قصيا لتقصيه أمورها ، وإن قصيا على هذا جد قريب ، وليس من الأجداد الذين يبعد عهداهم به عليه الصلاة والسلام ، وله شأن خاص فيما يتعلق بسدانة الكعبة ، ورياسة الندوة وغيرها ، فلابد أن نخصه بكلمة .
قصي :
63 - قد ترك أبوه كلاب ولدين أحدهما قصي ، والثاني زهرة ، وكلاهما جد للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقصى جده عليه السلام ، وهو الجد العصبة ، وأما زهرة فهو جده لأمه ، فهو الجد الرحمي ، وكأن كلابا بهذا قد جمع الله تعالى له شرفين ، فهو جد النبي عليه الصلاة والسلام لأبيه ولأمه ، فالتقى فيه الشرفان .
وقد طوف قصى في بلاد العرب ، فهو في أول حياته لحق بأمه في قضاعة ، فأقام معها ، وقد كان فتى قويا كريما أبيا يأبى الضيم والعار ، ناضل يوما شابا من قضاعة فنضله قصي ، فغضب المنضول ، وحزت في نفسه حرارة السهام ، وسبة الهزيمة ، فتنازعا في القول ، فقال المهزوم : ألا تلحق بأهلك فلست منا . ويظهر أنه إلى هذا الوقت ما كان يعرف أباه وشرفه ، فقد عاد إلى أمه وشكا لها من مرارة القول الذي سمعه ، فقالت له : أنت والله يا بنى أكرم منه نفسا ووالدا ، ونسبا ، وأشرف منزلا ، وأنت ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي ، وقومك بمكة عند البيت الحرام ، وفيما حوله ، تفد العرب إلى ذلك البيت .
أجمع قصى بعد ذلك الخروج ، واللحوق ، وضاق ذرعا بالبقاء غريبا ، فقالت له أمه : لا تعجل ، حتى يدخل عليك الشهر الحرام ، فتخرج في حاج العرب ، فإني أخشى عليك أن يصيبك بعض الناس « 1 » .
انتقل قصى إلى أسرة أبيه في مكة بعد أن جاءت الأشهر الحرم ، وخرج حاجا . وكان جلدا بهذا نسيبا ، ولم يلبث أن نال سدانة البيت الحرام . ولم تكن من قبله لقريش بل كانت لخزاعة . وكان له الأمر في إجازة الحج للناس ، وكان ذلك لغير قريش ، فانتزع تلك الولاية بحيلة الداهية ، وقوة ذي البأس .
ولى بهذا قصى سدانة البيت ، وإمرة مكة ، وجمع قومه من منازلهم ، واجتمعت في يده بمقتضى الولاية سدانة البيت وإمرة مكة والحجابة والرفادة والسقاية والندوة واللواء ، ومعنى الحجابة أن يملك مفاتيح
هامش
( 1 ) الاكتفاء ص 73 ج 1