تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
يروى علي بن أبي طالب عن أبيه عبد المطلب أنه قال : إني لنائم في الحجر ( بجوار الكعبة ) إذ أتاني ات ، فقال : « احفر طيبة ، قلت : وما طيبة ؟ ثم ذهب عني . فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي ، فنمت فيه ، فجاء فقال : احفر برة ، قلت : وما برة ؟ ثم ذهب عنى . فلما كان الغد رجعت إلي مضجعى فنمت فيه ، فقال : احفر المضنونة . قلت : وما المضنونة ، ثم ذهب عنى . فلما كان الغد رجعت إلى مضجعى ، فنمت فيه فجاءنى فقال : احفر زمزم . قلت : وما زمزم ؟ فقال : لا تنزف أبدا ، ولا تذم ، وتسقى الحجيج الأعظم . وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل . ومعنى بين الفرث والدم ، أي عند المذبح الذي كانت قريش تذبح ذبائحها فيه ، ومعنى قرية أي المكان الذي كان فيه نمل ، ووجد الغراب ينقر عندها ، وكأن هذين كانا علامة حد المكان ، والآية التي تدل على صدق الآتي ، في تبشيره . فلما بدا لعبد المطلب الماء كبّر الله تعالى ، وقد كانت قريش تلاحظ عمله ، وكأنها غير مصدقة لنتائج ما يحفر ، فلما كبّر علموا أنه أدرك ما يريد . ولكنهم جاؤوا يشاحونه في أن تكون العين تحت سلطانهم جميعا لا تحت سلطانه واحده ، وقالوا : إنها بئر إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك في السلطان عليها ، ولكنه لم يسلم لهم ، بل رأى أن تكون تحت سلطانه ، لأنه هو الذي حفرها ، وقد نازعوه هذا الحق ، ثم لما رأوا من طيبته ، وراجعوا حسن نقيبته ، تركوا الأمر ، وما هو بمانعهم من مائها . ولكنه يسقيهم ويسقى الحجاج منها في غير منة ولا أذي ، ولكن في عدل وحسن توزيع على أن يكون له حق السقاية فيها . وإن وصف زمزم بأنها لا تنزف ، وفيها سقاية الحجيج خبر حققه الزمن إلى اليوم ، فلا يزال الحجاج يشربون منها . وهي تفيض عليهم في سخاء . وهي عين ثرة ، ومعين لا ينضب ، ولا تزال فيها بركة إسماعيل ، ونقيبة عبد المطلب ، والدلالة على أن بيت الله تحوطه البركة كما قال تعالى في وصفه :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ
« 1 » .

[ صفات عبد المطلب ]

66 - إن الناظر في تاريخ عبد المطلب ينتهى بأنه كان متصفا بثلاث صفات كريمات .

الأولى - الطيبة والسماحة

، فكان موطأ الكنف قريبا من الناس أليفا محبوبا ، لا يستغلظ على أحد ، ولا يستكبر ولا يستعالى ، يطمئن أهل مكة إليه ، ويثقون به ، ويرضونه حكما ، ولو على نفسه .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 96 .