تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وكان فهر هو مجمع قريش ، وكان يسمى قريشا ، وقد كان فيه حكمة ، وخلق سوي ، وقد قال في وصيته التي قالها لولده غالب الذي أعقبه في الزعامة وهو المختار ليكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من صلبه ، فقد قال لابنه غالب عندما حضرته الوفاة : « يا بنى إن في الحزن قبل المصائب إقلاق النفوس ، فإذا وقعت المصيبة برد حرها ، وإنما أقلق في غليانها ، فإذا أنا مت فبرد حر مصيبتك بما ترى من وقع المنية أمامك وخلفك ، وعن يمينك ، وعن شمالك ، وبما ترى من اثارها في محبي الحياة ، ثم اقتصر على قليلك ، وإن قلت منفعته ، فقليل ما في يدك ، كان خيرا لك من كثير ما أخلق وجهك . وقد كان غالب له أولاد ، وقد خلفه في زعامة قريش لؤي ، وقد كان لؤي هذا فيه كلمة كأبيه وجده ، بدت وهو غلام حديث ، فقد جرت مناقشة بينه وبين أبيه غالب دلت على حكمة قلبهما . قال الغلام لأبيه : يا أبت من رب معروفا قل إخلافه ، ونضر ماؤه ، ومن أخلفه أهمله ، وإذا أهمل الشيء لم يذكر ، وعلى المولى تكبير صغيره ونشره ، وعلى المولى تصغير كبيره وستره . فقال الأب الحكيم : « إني لأستدل بما أسمع من قولك على فضلك وأستدعى لك به الطول على قومك ، فإن ظفرت بطول ، فعد به على قومك ، وكف غرب جهلهم بحلمك ، ولم شعثهم برفقك ، فإنما تفضل الرجال الرجال بأفعالها ، ومن قايسها على أوزانها أسقط الفضل ، ولم تعل به على أحد ، وللعليا فضل أبدا على السفلى . خلف الغلام بعد أن اكتمل رجلا أباه ، وقد ولد له أولاد ، كان كعب أعقلهم ، وأفضلهم ، وهو جد النبي ، وقد كان حكيما كأبيه وجده ، ويذكر رواة السيرة أنه قال هذه الخطبة : « أيها الناس اسمعوا وعوا ، وافهموا وتعلموا ، ليل ساج ونهار وضاح ، والسماء بناء والأرض مهاد والنجوم أعلام ، لم تخلق عبثا ، لتضربوا عن أمرها صفحا ، الآخرون كالأولين ، والدار أمامكم ، واليقين غير ظنكم ، صلوا أرحامكم واحافظوا أصهاركم ، وأوفوا بعهدكم ، وثمروا أموالكم ، فإنها قوام مروآتاكم ، ولا تصونوها عما يجب عليكم ، وعظموا هذا الحرم ، وتمسكوا به ، فسيكون له نبأ عظيم ، وسيخرج منه نبي كريم » . هذا ما يقوله كتاب السيرة في نسبة الخطبة إليه ، وليس لنا أن نحكم بصدق النسبة أو تكذيبها ، ولكن نحملهم مغبة ذلك ، إن صدقا وإن كذبا . وقد كان لكعب بن لؤي أولاد خيرهم مرة جد النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد كان أحد الرجال الذين تفاخر بهم قريش . وقد جاء من بعد مرة كلاب ، وهو جد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .