تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
إن هذين التهذيبين قد توافرا في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فاتجه منذ صباه إلى معالى الأخلاق التي تليق بذوي الشرف والرياسة ، ولم يتخذ الشرف سبيلا للاستطالة على غيره . وإن يتمه وفقره ، وعمله في ميدان الأجراء الضعفاء جعله قريبا مألوفا غير متعال ، يحس أنه من الضعفاء في إخلاصهم ، ومع الأشراف في امتناعهم عن الدنية في أعمالهم ، وفي كل أحوالهم . . . كان العطوف الأليف . وإنه يلاحظ في استقراء أحوال الناس أن الضعفاء دائما إذا لم ترنق قلوبهم بحقد ، ولا حسد للناس على ما اتاهم الله من فضله ، يكون في قلوبهم إخلاص ، ومع الإخلاص إشراق النفوس الذي ينزع بها إلى الحق ، وإلى صراط مستقيم ، ذلك لأن قلوبهم لم تصبها كدرة الهوى ، والشهوات واللذات التي يدفع إليها المال ، أو يسهل سبيلها ، واستغراق النفس بها ، فيكون الإنسان قريبا من الإيمان سرعان ما يدخل قلبه الإيمان ، ولذلك كان أول من يجيب دعوة الأنبياء ويؤمن بها ، وأول من يجيب دعوة أي حق ويؤمن بها الضعفاء والفقراء بهذا القيد الذي ذكرناه ، وهو ألا يدنس قلوبهم حقد ، ولا حب انتقام ، ولا حسد يطفئ موضع الإيمان في قلوبهم . لقد أوتى النبي عليه الصلاة والسلام الرحمة بالضعفاء ، لأنه أحس بأنه منهم ، من غير أن يناله ما عساه يكمن في نفوس الضعفاء من استكانة ، ورضا بالدون من السجايا المرهقة المذلة ، لأن الضعيف إذا لم يصب بالحقد أصيب بنوع من الرضا بالقليل ، وعدم المطالبة بحقه الهضيم ، وإن ذلك قد يجر إلى الاستخذاء ، والنبي عليه الصلاة والسلام أوتى مزايا الفقر من إخلاص واتجاه إلى الطريق المستقيم ، من غير تدلى الضعفاء إلى هوان ، أو إذلال ، لأن علو النسب منعه ، وأبعده عن ذلك ، فالتقت فيه الحسنيان ، حسنى النسب ، والإخلاص لله سبحانه وتعالي ، فكان ذلك تهيئة للرسالة الإلهية الرافعة للإنسانية .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 77 | محمد ابو زهره