تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
ولعل هذا الاعتقاد الذي سكن قلب عمر الفاروق ، وسكن قلوب أولئك المؤمنين الأولين ، إنما هو لكي يتحملوا أقصى ما يمكن من البلاء ، وليكون صبرهم تحريضا لغيرهم ، فقوة الإيمان تسرى من أقوياء النفوس إلى ضعفائها ، وإن الماء العالي يهبط إلى السافل ، لتتوازن النفوس كالسوائل . لما قدم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة المنورة أنزل الله تعالى :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ، لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ .
وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً ، وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ « 1 » . لما نزلت هذه الآية لم ينس عمر الكريم صاحبيه اللذين كانا على نية مرافقته ، ورافقه أحدهما ، ثم افتتن في دينه وافتتن الاخر قبل أن يسافرا ، ولأنه لم ينسهما أرسل إليهما في صحيفة هذه الآية الكريمة ، أرسلها إلى هشام بن العاص الذي افتتن أولا - فلما قرأها فهمها بعد أن استعصى عليه فهم ما يقصد عمر من كتابتها إليه ، وعرف أنها أنزلت فيه وفي أمثاله ، ممن كانوا قد قنطوا من رحمة الله تعالى . وهناك رواية أخرى تقول : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو بالمدينة المنورة ، قال : من لي بعياش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاص ، فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة : أنا لك يا رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلّم ) بهما ، فخرج إلى مكة المكرمة مستخفيا فلقى امرأة تحمل طعاما ، فقال لها : أين تريدين يا أمة الله ؟ قالت : أريد هذين المحبوسين ( تعنيهما ) ، فتبعها حتى عرف موضعهما ، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له ، فلما أمسى تسور عليهما ، ثم أخذ ردة ( أي خنجرا ) فوضعها تحت قيديهما ، ثم ضربهما بسيفه ، فحل القيدان ، ثم حملهما على بعيره . 320 - من أجل هذا التتبع الشديد من المشركين ، كان المؤمنون يتسللون في هجرتهم لواذا استخفاء من ظلم قريش ، الذي انبعث من خوف تجمع المؤمنين بيثرب لينقضوا عليهم ، ويمنعوهم من فتنة الناس في دينهم ، وكان الأقوياء منهم يختارون التستر ليظفروا بالهجرة في أمان من الأذي ، إلا عمر بن الخطاب الذي أبى إلا أن يجهر بالإيمان في كل موطن من مواطن مكة المكرمة ، وأبى الاستخفاء ، فهو في الهجرة أيضا أبى الاستخفاء ، وخرج مجاهرا بالهجرة متحديا من يقف في سبيله . روى علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه في الجنة أنه قال : « ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب ( رضى الله تعالى عنه ) فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه ،
هامش
( 1 ) سورة الزمر : 53 - 55 .