تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
وتنكب قوسه ، وانتضى في يديه أسهما ، واختصر عنزته ، ومضى قبل الكعبة الشريفة ، والملأ من قريش بفنائها ، فطاف بالبيت سبعا ، ثم أتى المقام ، فصلى ركعتين ، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة فقال : شاهت الوجوه ، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ، من أراد أن تثكله أمه ، أو ييتم ولده ، أو ترمل امرأته ، فليلقنى وراء هذا الوادي « 1 » . وقد يسأل سائل : إن المشهور أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه صحب في رحلته عياش ابن أبي ربيعة . وكان في عزمته أن يصحبهما هشام بن العاص ، فكيف نوفق بين هذه الرواية المشهورة ورواية علي كرم الله وجهه ؟ ونقول في الجواب عن ذلك ، إن الجمع بين الروايتين ممكن ، ومتى أمكن الجمع يتعين تصديق الروايتين ، إذ لا ترد إحداهما إلا إذا تعذر التوفيق بينهما . والتوفيق ممكن وظاهر ، إذ أن الصحبة كانت في السفر ، وواضح أن السفر يكون بعد اعتزام النية والإصرار ، وقد كان متفقا معهما على أن يلتقيا معه في مكان يقال له التناضب ، من أضاة بنى غفار . والواقعة التي رواها علي كرم الله وجهه كانت وهو لا يزال بمكة المكرمة ، وقد أعلن الهجرة ، فهو قد قال ما قال معلنا هجرته ، متحديا قريشا ، ثم أخذ طريقه إلى المكان الذي اتعدوا فيه ، فوجد عياشا ، وتخلف عنهما هشام ، إذ افتتن في دينه ، واستجاب لهم وقلبه مطمئن بالإيمان . كانت هجرة المهاجرين سرا ، أو على استخفاء من قريش . وكانوا ينزلون في مهجرهم على الأنصار ، فينزلون معهم في بيوتهم ، فعمر بن الخطاب حين انتقل إلى المدينة المنورة ولحق به أهله وأخوه زيد بن الخطاب ، وعمرو بن سراقة وغيرهم ، نزلوا على رفاعة بن عبد المنذور بن زهير في بنى عمرو بن عوف في قباء . ونزل طلحة بن عبيد الله ، وصهيب بن سنان ، على خبيب بن أصاف ، وهكذا غيرهم نزل في منازل الذين اووا ونصروا ، وكانوا يرحبون بهم ، وكأنهم بين أهليهم وذويهم ، لأن الإيمان الصادق جمعهم ، ومحبة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام فاضت عليهم ، فجعلتهم أحبابا على مائدة الرحمن ، وقد علموا فضل إخوانهم المهاجرين الذين صبروا عند الصدمة الأولي ، وأوذوا في أنفسهم وأخرجوا من ديارهم وأموالهم ، فجعل الله تعالى من خوفهم أمنا ، ومن ذل ضعفائهم عزة ، إذ اعتزوا بعزة الله تعالى ، وكان بهم بتوفيق الله أن صارت كلمة الله تعالى هي العليا ، وقد قال الله تعالى في المهاجرين والأنصار :
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً ، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
هامش
( 1 ) راجع في هذا أشهر مشاهير الإسلام للمرحوم رفيق العظم طبعة 1972 الناشر ( دار الفكر العربي ) .