تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
ذكرنا هذه القصة بطولها . ليتبين أن قريشا أحنقهم ، أن استجيب طلب محمد عليه الصلاة والسلام أن يجد المأوى لدعوته في يثرب وظهر غضبهم في تتبع القوم وفي الأذى الذي أنزلوه بسعد بن عبادة ، وهو الذي أدركوه ، وغيره قد اجتازوا الطريق ، ورحلوا ، قبل أن يصلوا ، ولو أدركوهم فوق السبعين لا يعلم إلا الله تعالى كيف تكون العاقبة . ولعلها تكون أول موقعة بين المشركين والمسلمين ، بل لعل هذه المطاردة ذاتها أول معركة بين قوة الإسلام ولو قليلة وقوة الشرك ، وإن كانت كثيرة ، ولعل المشركين أدركوا بأن عهد الاستضعاف أو شك على نهايته ، والله ولى الصابرين .

ابتداء الهجرة

317 - وجد المسلمون أنه صار لهم مأوى ينقلون إليه ، وشعر المشركون أن الإسلام خرج نقيا طاهرا ظاهرا قويا من أرضهم ليكيل لهم الضربة بمثلها ، والإيذاء بدفعه ، وأن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قد صار له قوة تناوئهم إن أرادوا به كيدا ، وأنه قد تلتف عليه قبائل العرب ، قبيلة قبيلة ، وما شعروا بالندم على أن حاربوه ، ولم يمكنوه من الدعوة ، بل لاقوه هو وصحبه بالأذى والاستهزاء ، ولكن الندم لم يعرهم ، لأنهم سادرون في غيهم . وقد استولت عليهم العداوة ، ومن استولى عليه العداء ، وسيطرت البغضاء ، لا يرعوى ، ولا يتجه إلى الرجوع عما هو فيه ، وكلما ازداد قوة ازداد حدة . ولا ندم من الحدة ، لأن الندم شعور بسلطان الحق . وليس للحق سلطان في قلوب المشركين الذين استمكن الشرك والتعصب في قلوبهم ، فلا تزيدهم مظاهر القوة في الحق إلا عتوا واستكبارا ، ولا ننسى أن المنافسة بين العشائر ، والتنازع بين الشرف هي الأصل في الإعراض ، وتثبيت الكفر في القلوب ، وكلما ازدادت قوة الدعوة ، حسبوا أن ذلك زيادة لشرف بني هاشم أهل الرسول صلوات الله تعالى وسلامه عليه . ولذلك اشتد كلبهم على المسلمين الذين بين ظهرانيهم ، لما رأوهم يخرجون إلى القوة يتجمعون بها ، ولم يخرجوا فارين بدينهم ، كما خرجوا في هجرة الحبشة مرتين ، بل هم في هذه المرة يخرجون ليجمعوا قوة يستعصمون بها بتوفيق الله تعالى ، وهدايته . وذلك هو الفرق الواضح بين هجرتي الحبشة ، وهجرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولذلك لم ترعهم هجرتا الحبشة ، بل أثارت إشفاق بعض قريش كعمر بن الخطاب ، كما ذكرنا ، أما الهجرة إلى يثرب ، فلقد أزعجتهم ، وأثارت غضبهم ، وإن كان ثمة إشفاق ، فعلى أنفسهم لا على غيرهم . هذا شعور المشركين من قريش عندما بايع أهل يثرب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، أما شعور المؤمنين الصابرين فقد ابتدأوا يحسون بنصر الله تعالى لهم ، وأنهم صار لهم قوة ، تدفع عنهم وبهم ذل