لقد قال ابن إسحاق في السيرة : « أقام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة المكرمة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ، ولم يتخلف معه بمكة المكرمة أحد من المهاجرين ، إلا من حبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب ، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنهما ، وكان أبو بكر كثيرا ما استأذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الهجرة ، فيقول له رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : لا تعجل لعل الله تعالى يجعل لك صاحبا ، فيطمع أبو بكر أن يكونه .
كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يستعد للهجرة منذ البيعة الأولى عندما التقى بالأوس والخزرج ، بدليل هذه المبايعة ، ثم كانت البيعة الثانية بيعة الإيواء والنصرة دليلا على أنه اعتزم الهجرة وأرادها ، ثم من بعدها أذن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو أمرهم بأن يهاجروا ، فهاجروا زرافات وواحدانا ، مستخفين في الأكثر ، معلنين في الأقل ، فكانت الهجرة ترتيبا للدعوة ، وخروجا من موطن لا قوة للإسلام فيه إلى بلد يكون للإسلام فيه قوة ، ويكون له فيها السلطان لانشاء دولة إسلامية ، فما كان من المعقول أن ينفذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبادئ الإسلام في مكة المكرمة ، وهي في ظل الوثنية ، ويحكمها مشركون ، فالزكاة لا يمكن جمعها إلا في ظل سلطان عادل يجمعها من الأغنياء ، ويردها على الفقراء ، وتنفيذ مبادئ المساواة والإخاء ، ودعوة المسلمين إلى التراحم ليكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم ، وما كان يمكن أن يقيم الحدود الزاجرة ، لبناء دولة فاضلة ، ولا القصاص العادل ، ولا لينظم المعاملات بين الناس على أساس من الرضا والعدل ، وما كان ليحارب الربا الجاهلي ، ما كان يمكن شيء من ذلك إلا في ظل الله تعالى ، وبدولة إسلامية تنفذ أوامر الله تعالى ، وتبعد الناس عن نواهيه ، وما كان يمكنه عليه الصلاة والسلام أن يقيم رأيا عاما فاضلا ، يقوم المنحرف ، ويرشد المسترشد ، ويكافيء المحسن إلا في ظل دعائم الإسلام ، ولتثبت أركانه ، وتعم في الوجود الإنسانى دعوته ، وليست الهجرة جاءت بسبب حادث وقع ، أو خوف لأمر متوقع .
ما اقترن بالهجرة المحمدية :
322 - اقترنت الهجرة بواقعة وقعت من قريش ، فظن كثير من كتاب السيرة أن هذه الواقعة هي سبب الهجرة ، وأن الهجرة كانت أمرا مسببا لها ، ولكن الهجرة كانت أمرا مقررا ، وتنظيما محكما .
يقول الله تبارك وتعالى :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
« 1 » فهم يدبرون من جانبهم ، والله تعالى يدبر أمرا ، قد وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليه ، وهو الهجرة ، والأمر الذي مكروا به وتامروا عليه خلاصته ما ذكرته الآية الشريفة .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 30 .