تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
وقال ثالثهم : لئن كنت رسولا من الله ، كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك ، وإن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك . كان الرد كله تهكما واستهزاء ، فرأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لا استجابة منهم ، ويئس منهم وأنهم اشتروا الضلالة بالهدى . وإذا كانوا غير مستجيبين لدعوة الله تعالى فإنه قد يكون فيهم مروءة . فرأى عليه الصلاة والسلام أن يخفوا مجيئه إليهم ، وكره أن يبلغ قومه فيدثرهم أي يثيرهم ، ولكنهم للؤمهم لم يخفوا أمره ، بل أعلنوه ، بل أغروا بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم سفهاءهم ، وعبيدهم ، يسبونه ويتصيحون به ، حتى اجتمع الناس عليه . وقد روى موسى بن عقبة أنه قعد له أهل الطائف صفين على طريقه ، فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة ، حتى أدموه ، فمضى ، وهما يسيلان دما » « 1 » . عاد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من تلك الرحلة الشاقة لقوم لئام ، لم يذوقوا معنى المروءة ، ولم يعرفوا الكرامة الإنسانية في أي صورة من الصور الادمية . أشد البلاء ما يثير عطف العدو اللدود ، وقد أثار ما فعل أولئك اللئام عطف ابني ربيعة عتبة وشيبة اللذين اشتركا من قبل في إيذاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . فقد كان لهما بستان قريب من الطائف ، قد اوى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ظل شجرة من أشجاره . لقد تحركت الرحم في ابني ربيعة ، فبعثا غلاما لهما يقال له عداس بقطف من العنب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ليتبلغ به ، وذلك من الكرم القرشي .

عداس والنبي صلى الله عليه وسلم :

289 - كان عداس نصرانيا ، فذهب بالقطف الذي كان في طبق ، وقدمه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فابتدأ صلى الله تعالى عليه وسلم أكله بقوله : « باسم الله » فنظر إليه عداس ، وتفحص في وجهه ثم قال : والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد . فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : ومن أي البلاد أنت عداس وما دينك ؟ قال : نصراني ، ومن أهل نينوى ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من قرية الرجل الصالح يونس بن متى . فقال عداس : وما يدريك ما يونس بن متى ! ؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ذلك أخي ، كان نبيا وأنا نبي .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 3 ص 136 .