والجن كما تدل ظواهر القران الكريم وما روى من أخبار عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جنس يقابل الإنسان ، فليس الجن من الأناسى ، ولا يتفق مع القران الكريم قول من يقول إنهم طائفة من الناس غيبوا في الأرض ، أو بعدوا فيها . ولقد أخطأ وجانب الصواب من يقول أنهم الأنصار فذلك كلام باطل بالبداهة ، ولكن تبع الغربيين بعض الذين ليس لهم استقلال فكرى أمام ما يقوله الغربيون ، وليست عندهم طاقة يستطيعون بها تمييز ما هو حق وما هو باطل ، وما هو خطأ وما هو صواب .
إن كل عبارات القران الكريم تصرح بأنهم جنس مقابل للإنس ، وآيات الكتاب الكريم في ذلك كثيرة ، من ذلك قوله الله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ، يا مَعْشَرَ الْجِنِّ ، قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ ، رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ ، وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ، قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ .
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ، وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ، قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ « 1 » .
وإن هذه الآيات الكريمات تدل بصريحها على أن الجن جنس ، والإنس جنس اخر .
ويقول الله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 2 » .
واقرأ قوله الله تعالى :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ، لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
« 3 » .
وإننا نأخذ من صريح هذه النصوص اختلاف الجنسين ، فليس الإنس من الجن ، ولا الجن من الإنس ، وإن الواجب أن نأخذ بظواهر الألفاظ إلا إذا قام الدليل على أن الكلام على ظاهره مناقض لحقيقة شرعية قد علمت من الدين بالضرورة ، أو أمر عقلي مستحيل مخالفته .
وأولئك الذين يريدون أن يخرجوا لفظ الجن عن ظاهره في القران الكريم هم من أولئك الذين لا يفكرون في غير المحسوس ، فلا يؤمنون إلا بالمادة ، ولا يؤمنون بالغيب ، وهو الركن الأول للإيمان ، ولذلك كان أول وصف للمؤمنين هو الإيمان بالغيب ، إذ يقول الله سبحانه وتعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
وفيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة الإيمان بالغيب .
وبعد ذلك نتساءل : ما حقيقة الجن ؟ والجواب عن ذلك أننا نميل إلى ما يقرره المسلمون . وهو أن الجن من نار ، واعتمدوا في ذلك على نص القران الكريم ، لا على الأوهام ، وذلك لأن الله تعالى قال
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 128 - 130 .
( 2 ) سورة الإسراء : 88 .
( 3 ) سورة الرحمن : 33 .