ذهب إلى الطائف في أخريات شوال من السنة العاشرة ، ذهب إلى الطائف ليس لمجرد اشتداد قربه منه كما تذكر كتب السيرة ، ولكن ذلك قد يكون بعض الأسباب ، وليس أقواها ، وإنما لذلك ، ولأنه اعتراه ما يشبه اليأس من إيمان قريش ، أو من بقي منهم ، وما كان له أن يضرب في حديد بارد ، أو أن يقصر دعوته عليهم ، وقد غلب عليهم الجدل بالباطل من غير أن يتجهوا إلى الاقتناع ، فلا يشغل نفسه بهم ، واتجه إلى بلد غير بعيد ، وهو الطائف ، يرجو منهم الاتباع ومن وراء الاتباع النصرة .
ذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف سعيا على قدميه مع أن المسافة كما قلنا تبلغ نحو عشرين ومائة ميل ، ولم يكن معه إلا مولاه زيد بن حارثة الذي أعتقه من قبل ، وقد صار له حبيبا ودودا ، فلم يكن له خادما ، بل كان معينا ، وقد ذهب راجلا كما ذكر ، قيل لأنه لم يرد أن يعلم أحد بذهابه ، وقد يكون ذلك بعض السبب ، ولكن نقول إنه كان يجاهد في سبيل الدعوة ، ويبلغ به الجهد والجهاد أقصاهما .
قال ابن إسحاق في سيرته بسنده لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرفهم ، وهم إخوة ثلاثة . عبد ياليل بن عمرو بن عمير ، ومسعود بن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن عمير ، وابن عوف بن عقدة بن عوف بن ثقيف » « 1 » .
التقى بهؤلاء الذين كانوا يعدون من أشرافهم ، لمكانة أبيهم في ثقيف .
وقد كانت هذه الرحلة النبوية إلى ثقيف غير محققة الاستجابة ، ولكنها كانت جهادا في سبيل الدعوة من صاحبها . . ولنذكر لك المجاوبة التي كانت بين النبي عليه الصلاة والسلام ومن تحدث إليهم من أولاد عمرو بن عمير .
جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أولاد عمرو بن عمير ، فدعاهم إلى الله تعالى ، وبما جاءهم له من نصرته عليه الصلاة والسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه ، فأجابوه بنكر من القول .
قال أحدهم : وهو يمرط ثياب الكعبة الشريفة ، ( أي أنه ينزع كساء الكعبة ) إن كان الله تعالى أرسل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ينزع ثياب الكعبة الشريفة . وكأنه يسخر بالرسول عليه الصلاة والسلام ، ويعلق علي إرسال النبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى أن ينزع هو ثياب الكعبة الشريفة ، وذلك مستحيل لقدسيتها .
وقال الثاني : أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ! !
وكأنه يستنكر أن يكون هو الرسول عليه الصلاة والسلام .
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام ج 1 ، 2 ص 419 .