صلّى اللّه عليه وسلّم « نعم أنا الذي أقول ذلك » ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه ، وقام أبو بكر دونه ويقول :
« ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله » ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط « 1 » .
وإن هذه الواقعة تدل أيضا على هيبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وطاقته النفسية ، ولا ينافي هذه الهيبة ما ارتكبوه بعد ذلك من إثم ، فإن الهيبة تفرض نفسها عند أول الصدمة ، ولا تتنافى مع التدبير لمقاومتها ، فقد لقوه في المرة الأولى . وواجههم بما يكف ألسنتهم عن الغمز والاستهزاء ، ويلقى في قلوبهم الرعب ، فأثمر ذلك في نفوسهم ، ولما استرجعوا أنفاسهم ، واستردوا تفكيرهم الاثم بعد الصدمة التي أوجدتها الهيبة دبروا أمرهم ، ثم كانت تلك الحركة التي أخذ فيها بعضهم بمجامع ردائه ، وإن ذلك لا ينافي الهيبة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عندما يعتزم القول وإلقاء المجابهة في القلب .
ولننزل عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى من دونه .
فقد كان عمر رضي الله عنه من ذوى الهيبة ، ولم تمنع هيبته تدبير اغتياله ، وعلى كان على قدر من الهيبة عظيم ، بل كان المهوب المرهوب ، ولذلك لما دبروا قتله . انتدب له اثنان أنفسهما ، وغذى السيف بالسم شهرا ومع ذلك لم تمنع هذه الهيبة ، وتلك الرهبة ، التدبير والإقدام .
وهكذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حماه ربه من قريش بما منع به شر الأشرار ، وبما منحه الله تعالى من قوة نفس ، وعزم وصدق .
محمد عليه الصلاة والسلام في الطائف
288 - ذاق محمد صلى الله عليه وسلم ما ذاق من أهل مكة المكرمة من صد عن سبيل الله ومقاومة ، وإيذاء له ولأصحابه ، وقد بلغ الدعوة فيهم ، وكلبوا عليه ، ولكن دعوته عامة ، وليست لقريش واحدهم بل هي للناس أجمعين ، وقد علمها أهل مكة المكرمة ، وقاوموها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، ولله في ذلك حكمة ، ولو كانوا أول من يطيعه لقيل أنهم يريدون بذلك السلطان على الناس .
لقد اتجه النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل توسيع نطاق الدعوة إلى الطائف التي تقرب من مكة المكرمة ، ولها من القوة والسلطان والثروة من الثمار والتجارة ما لمكة المكرمة ، وربما يرى فيهم نصرة لم يرها من قريش .
وله في الطائف نوع رحم ، لأنه رضع في بنى سعد ، وهم قريبون من الطائف ، ففيهم مراضعه ، وحواضنه ، وذلك فوق القرب النسبي ، فقد كان الطائف بينها وبين مكة المكرمة نحو 120 ( عشرين ومائة ) ميلا ، وذلك ليس ببعيد في الشقة في عرف أهل البلاد الصحراوية .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 46 .