القلوب ، والهيبة إذا استخدمت باستمرار أرهقتها ، وأرهبتها ، والرسالة تستدعى تأليف القلوب دائما واللين دائما ، ولقد قال الله تعالى
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
« 1 » .
وتدل ثانيا : على أن أشد الناس سفها ، وتهجما على الناس ، واستهانة بحقوقهم ، وهو في وسط الجموع هو أشدهم خوفا ، وهلعا وفزعا إذا انفرد فهو جبان رعديد ، إذا لاقى خصمه وجها لوجه ، وإنك لترى الذين يبالغون في الإيذاء من الحكام وغيرهم أشدهم فزعا ، إذا أحسوا بأنهم مرام مقصود ، وانفردوا .
فالتهجم من فرط الاندفاع ، وهو لا يتنافى مع الجبن ، بل إنه يلازمه إذا لاقى الأقوياء .
هذه هي الواقعة الأولى التي أردناها . أما الواقعة الثانية : فهي ما رواه البيهقي بسنده عن عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : ما أكثر ما رأيت من قريش وما أصابت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوة ؟ فقال : رأيتهم ، وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفه أحلامنا ، وشتم اباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب الهتنا ، وصرنا معه على أمر عظيم .
قال : فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن . ثم مر بهم طائفا بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فمضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفتها في وجهه صلى الله تعالى عليه وسلم ، فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها . فقال : « أتستمعون يا معشر قريش ، أما والذي نفسي بيده ، لقد جئتكم بالذبح » .
فأخذت القوم كلمته ، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنه على رأسه طائر وقع ، حتى إن أشدهم فيه قبل ذلك ليرفؤه ، حتى إنه ليقول : « انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول »
انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر ، وأنا معهم ( أي عبد الله بن عمرو ) قال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم عنه ، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه .
فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا ، وكذا ، وكذا ، لما كان يبلغهم من عيب الهتهم ودينهم ، فيقول رسول الله
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 159 .