ولنذكر في ذلك واقعتين تبينت فيهما مهابة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم التي ألقاها الله تعالى عليه مع محبته ورحمته .
الأولى : قصة الأراشى ، وخلاصتها كما روى محمد بن إسحاق بسنده عن عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي قال : قدم رجل من أراش بإبل له إلى مكة المكرمة ، فابتاعها أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها ، فأقبل الأراش حتى وقف على نادى قريش ، ورسول الله عليه الصلاة والسلام جالس في ناحية المسجد فقال :
يا معشر قريش هل من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام ، فإني غريب وابن سبيل ، وقد غلبني على حقي ؟
فقال أهل المجلس : ترى ذلك . ويشيرون إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ، يهزؤن به لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة . اذهب إليه فهو يعديك عليه .
فأقبل الأراشى ، حتى وقف على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فذكر ذلك . فقام معه ، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم : اتبعه فانظر ماذا يصنع . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه . فقال : من هذا ؟ قال : محمد فأخرج ، فخرج إليه ، وما في وجهه قطرة دم ، وقد امتقع لونه ، فقال له عليه الصلاة والسلام : أعط الرجل حقه . قال : لا تبرح حتى أعطيه الذي له ، ، فخرج إليه بحقه فدفعه إليه ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال للرجل : ارحل لشأنك . فأقبل الأراشى حتى وقف على ذلك المجلس ، فقال : جزاه الله خيرا ، قد أخذت الذي لي .
جاؤوا إلى الرجل الذي بعثوه معه فقالوا : ويحك ماذا رأيت ؟ قال : عجبا من العجب ، والله ما هو أن ضرب عليه بابه ، فخرج وما معه روحه ، فقال : أعط هذا الرجل حقه ، فقال : نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه ، فدخل فأخرج إليه حقه .
لم يلبث أن جاء أبو جهل إلى المجلس ، فقالوا : ويلك ، والله ما رأينا مثل ما صنعت . فقال : ويحكم ، والله ما هو أن ضرب على بابى ، وسمعت صوته ، فملئت رعبا ، فخرجت إليه ، وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ، ولا أنيابه لفحل قط ، فوالله لئن أبيت لأكلنى » .
وإن هذه الواقعة تدل أولا على هيبة النبي صلى الله عليه وسلم يستعين بها إذا أراد في إقامة حق وخفض باطل ، ولا يستعين بها في الدعوة إلى الله تعالى دائما ، حتى يكون دائما رؤوفا رحيما ، والرأفة تلين
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 400
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٤٠٠