« يا معشر قريش ، إنه قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا ، وشتم ابائنا ، وتسفيه أحلامنا وسب الهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر ، فإذا سجد في صلاته ، فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم .
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا ، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر ، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قبلته للشام ، فكان إذا صلى ، صلى بين الركنين الأسود واليماني ، فجعل الكعبة الشريفة بينه وبين الشام فقام يصلي .
وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه ، مرعوبا ، قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يديه .
رأى رجال قريش الذين غدوا ليروا ما يفعل وما كان به ، فقالوا له : ما بك يا أبا الحكم ! ! فقال :
قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل ، والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط ، فهم أن يأكلني » .
هذه أخبار رواة ثقات بأسناد صحيحة قوية ، وإذا كان في بعض أسنادها ضعف فالقوى يرفع الضعيف ، وحسبنا رواية القوى .
ونحن نرجح ما راه ابن كثير من أن ذلك بعد وفاة أبى طالب ، وإن كتب السيرة والأحاديث التي رويت بأسناد صحيحة لا تذكر زمان الوقائع ، ولكن تعنى بصدق الوقائع بروايتها عن ثقات أثبات ، وإذا كان الزمان غير ثابت ، فمن حق المؤرخ الفاحص أن يذكر الأحداث مرتبطة بما يناسبها ، وهو الوقت الذي خلا فيه النبي صلى الله عليه وسلم من نصرة النسيب القريب الذي الهمه الله تعالى المحبة والذود عن نبيه ، ولو كان في أكثر حياته لم يعلن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا قبضه الله تعالى إليه ، كانت النصرة لله تعالى واحده الذي لم يضيع عبده ورسوله ساعة من زمان .
المهابة مع المحبة
287 - كانت حماية الله تعالى لرسالته التي بلغها محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قد اقترنت بما أفاض الله عليه من مهابة كانت تظهر في أوقاتها حيث كان الأذى يشتد ، والاستهزاء يكثر ، فيذكرهم الله تعالى بأنه لم يترك نبيه لسخريتهم واستهزائهم ، فتظهر المهابة الرادعة القاطعة في وسط سخريتهم ، وتطاولهم على مقام النبوة .