تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة قال : « أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، هذه خديجة قد أتت بإناء ، فيه إدام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ، ومنى ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب » والقصب المراد به اللؤلؤ . وقد قال السهيلي « إنما بشرها ببيت في الجنة من قصب يعنى قصب اللؤلؤ ، لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان ، ولا صخب فيه ولا نصب ، لأنها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولم تتعبه في الدهر ، فلم تصخب عليه يوما ، ولا اذته أبدا » . ولقد كان يذكرها دائما بالخير ، يحب من كانت تحبه ، ويواد من كانت توده ، حتى كان ذكرها الدائم يثير غيرة بعض نسائه ، حتى لقد قالت أم المؤمنين عائشة : « ما غرت من امرأة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ما غرت من خديجة ، لما كنت أسمعه يذكرها ، وأمره الله تعالى أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب ، وإن كان ليذبح الشاة فيهدى في خلائلها منها ما يسعهن « 1 » » . وكان مع ذكرها يكرم ذكراها ، ومن يذكره بها ، ولقد استأذنت عليه هالة بنت خويلد أختها ، فعرف استئذان خديجة ، فارتاح ، فقال : « اللهم هالة » . وروى الإمام أحمد عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت : « كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذ ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء فغرت يوما ، فقلت : « ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين ، قد أبدلك الله خيرا منها » قال : ما أبدلنى خيرا منها ، وقد امنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبني الناس ، واستنى بمالها ، إذ حرمنى الناس ، ورزقني الله ولدها إذ حرمنى أولاد النساء » . وواضح أن ذلك قبل أن يهب الله تعالى له إبراهيم من مارية القبطية . وإننا نرى من هذا الكلام كله مكانة أم المؤمنين خديجة في نفس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكيف كانت المواسى ، إذا ادلهمت الأمور ، واشتد البلاء ، وكيف كانت المؤنس إذا استوحش من الناس ، وكيف كانت الهدأة والسكن إذا ارتاع من هول ما يفعل الناس ، فكان حقا عليه الصلاة والسلام أن يسمى عام وفاتها ووفاة عمه الكريم عام الحزن ، وقد فقد فيه الحبيبين ، الحامي المكافح ، والمؤنس المواسى . وقد مات أبو طالب قبل خديجة على أصح الروايات ، وقيل : كانت وفاته قبلها بثلاث ليال . ويذكر بعض الرواة أن وفاتها كانت قبل وفاته بنحو من خمس وثلاثين ليلة وأن الراجح أن وفاته كانت قبل وفاتها ، ومهما يكن الأمر في المقدم والمؤخر ، فإن وفاتهما أورثت حزنا شديدا للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم .
هامش
( 1 ) البخاري - البداية والنهاية ص 18 ج 3 .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 396 | محمد ابو زهره