وما زالوا به حتى اقتنع بألا يستمع ، وحشا أذنه قطنا لكيلا يسمع ، ولكنه غدا إلى الكعبة الشريفة ، فرأى على البغتة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وحاول لما أوصاه رجال قريش ألا يسمع ، ولكنه بما وهب الله تعالى رسوله الأمين من طيبة ظاهرة تجذب إليه القلوب الصافية أبى إلا أن يسمع بعض ما يقرأ به عليه الصلاة والسلام ، ولنترك الكلمة للرجل ليخبر عن نفسه ، فالقول قوله في شأنها ، والإخبار عنها ، قال رضي الله عنه : قلت في نفسي ، واثكل أمي ، والله إني لرجل لبيب شاعر ، ما يخفى على الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ، فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بيته ، فدخلت عليه ، فقلت : يا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) إن قومك قالوا : لي كذا وكذا . فوالله ما برحوا يخوفوننى أمرك حتى سدوا أذني بكرسف ( قطن ) لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله تعالى إلا أن يسمعني قولا حسنا ، فاعرض على أمرك ، فعرض علىّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الاسلام ، وتلا علىّ القران الكريم ، فلا والله ما سمعت قولا أحسن منه ، ولا أمرا أعدل ، فأسلمت وشهدت شهادة الحق .
وكان الطفيل هذا رجلا مسموع الكلمة في قومه شريفا بينهم لم يعرف بقول الزور ولا الباطل فدعاهم إلى الإسلام ، فأسلموا طائعين ، وكانت دوس على الإسلام إلى أن جاء عصر الجهاد بالسيف ، فجاهدت مع المجاهدين وحاربت المشركين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وحاربت المرتدين من بعده ، وكان لها قدم ثابتة في الإسلام .
ولم يجد منع قريش ، فالنور لا يقع في قبضة أحد ، بل إنه يسرى شعاعا مضيئا هاديا مهما تكن الظلمات المتكاثفة ، هذا الرجل الأول الذي جعلناه مثلا لشيوع أمر الرسالة المحمدية بعد القطيعة وفي أثنائها ، فكان كل ما عمل ضد محمد عليه الصلاة والسلام ، وما قام به يكون في نتيجته خيرا لدعوة التوحيد ، ونداء الحق البين .
من هذه القصة وأشباهها ، وإنها لكثيرة نجد أن الإسلام أخذ يسرى إلى الجزيرة العربية قاصيها ودانيها ، والنبي عليه الصلاة والسلام قطب دعوة التوحيد مقيم في مكة المكرمة مثوى العرب أجمعين ، لا يسكت ولا ينى ، بل يستمر في دعوة الحق ، يستمع إليه الضعفاء وبعض الأقوياء بينهم بصلواته يجهر بها ولا يخافت ، والمشركون يستهزئون ظاهرا ، وهم مأخوذون بها باطنا ، بقدر حملتها على الشرك الذي يستمسكون به ويلاحون عنه بظاهر من عصبية ، وحقدا وحسدا ، لا إيمانا ويقينا ، ولكنهم قوم في ذات أنفسهم مترددون ، والمترددون يثير حنقهم وغضبهم المستيقنون المؤمنون ، وكذلك كانت المعركة بين حق لائح مبين ، وباطل متردد في ذاته .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 388
مساهمون: محمد ابو زهره
ص٣٨٨