تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣

سعى في نقض الصحيفة

274 - أقصى درجات الشدة قد يفضى إلى نوع من الشفقة ، فإن المظلوم الصابر الداعي إلى الحق الذي لا يوجد سبب لإنزال الظلم الصارخ به قد يفتح ينابيع من الشفقة ، وقد تنفتح هذه الينابيع من نفس الظالم أو من باشر الظلم . لقد ظلمات قريش أبناء عمومتها من بني هاشم وبني المطلب الذين ارتضوا أن يقاسموا بنى عمومتهم من ذرية هاشم ضراءهم ، لأنه كان ينالهم شرفهم ، فألزموا أنفسهم بمقاسمتهم الضر ، كما انتفعوا من شرف هذه العمومة . وإننا لا نفرض أن قريشا كلها قد أجمعت على القطيعة من مداخل شعورها ، فما انقطعت كل المودات ، وما زالت كل الصلات ، وإذا كان قد دعا داع في وقت المباغضة ، والمخالفة والحفاظ المخطيء على ما كان عليه الاباء ، فاستجابوا أو جلهم تحت تأثير الحمية الوثنية حمية الجاهلية ، فليس معنى ذلك أنهم صغت قلوبهم جميعا إلى الداعي الأثيم ، بل ربما أجاب من أجاب بظاهر من القول ، أو تحت تأثير فورة قد تتبدد ، ويبقى الصافي بعدها ، أو في حال نسيان لأصل المودة الموصولة ، والمحبة الرابطة ، وإن اختلفت النحلة ، وتباعد الاعتقاد ، فالصلات تقرب البعيد ، وتمنع الجفوة المستمرة . وإن تلك القطيعة فطرت قلوبا مشفقة نحو الإسلام ، وأوضحت ظلم الباطل لأهل الحق ، وأنهم إذا أعياهم البرهان ، بالغوا في الإعنات ، وإن الناس في البلاد العربية إذ يتسامعون بهذه القطيعة سيتعرفون سببها ، ويتذاكرون أمرها ، ويحكمون بالشطط على مرتكبيها ، فتشيع حقيقة الإسلام ويفشو بين الناس ، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينى عن بيان ، وتلاوة القران الكريم المشرق بنوره وحججه ، وشرف نسبته إلى الله تعالى الذي يخاطب به الخليقة وينادى به الفطرة المستقيمة . لذلك لابد من نقض الصحيفة ، لأنها لم تؤد إلى غرض مقصود ، ولو كان مثل غرض أبى جهل ، ولم تمنع الدعوة من أن تذيع بين العرب الأدنين منهم والبعيدين عنهم ، فكلما كانت محاولة كتم الدعوة ، كان بزوغها وظهورها ، وانبثاق معينها ، وإشراق نورها . 275 - أشرنا إلى أنه يبدو من حقائق الأمور ، ودخائل النفوس ، وبعض مظاهرها أنه لم تكن الموافقة على القطيعة الجماعية كاملة ، وإذا كانت بظاهر من العمل ، فالقلوب لا تؤيدها ، ولا تعاضدها . وقد قصصنا عليك أيها القارئ الكريم قصة حكيم بن حزام الذي كان يذهب بالبر إلى عمته خديجة وزوجها الطاهر ومن معه من بني هاشم ، واعتراض أبى جهل عليه ، وتصدى أبى البختري لأبى جهل يلومه على أن منع حكيما من أن يوصل القمح لعمته ، فتلاحيا ، وأخذ أبو البختري لحى بعير وأعمله في رأس أبى جهل حتى شجه .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 383 | محمد ابو زهره