ثم قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس ، فقال الوليد بن المغيرة : والله ما قام النضر بن الحارث وما قعد ، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من الهتنا هذه حصب جهنم . فقال عبد الله بن الزبعرى ؛ أما والله لو وجدته فخصمته ، فسلوا محمدا أكل من نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده ، فنحن نعبد الملائكة ، واليهود تعبد عزيرا ، والنصارى تعبد عيسى ، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعرى ، ورأوا أنه قد احتج وخصم ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحكيم : كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار . . فنزل قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ، أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ . لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها ، وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ
« 1 »
أي عيسى وعزير ومن عبد الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى . ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة ، وأنها بنات الله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ .
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ . وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ « 2 » .
وقال تعالى في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري :
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ، إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ . وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
.
273 - إن هذه الأخبار التي كان في القران الكريم رد عليها ، تدل على أمور ثلاثة :
أولها : أن هؤلاء كانوا يجادلون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأنهم كانوا يستعينون بما عند غيرهم من علوم ، كانوا يذهبون إلى اليهود يستعينون بهم يسألونهم أن يدلوا بشيء يحتجون به على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد لقنوهم الأسئلة عن أهل الكهف وعن الروح ، وعن ذي القرنين ، ونزل القران الكريم بما فيه إشباع النفوس طالبة الحق المريدة له ، ولكنهم لم يؤمنوا ، بل أصروا إصرارا ، وأنغضوا رؤسهم علوا واستكبارا .
وها هم أولاء الان يدرسون أخبارا من الديانات ، مع أنهم أميون ، لم يكن لهم كتاب يقرؤنه ولا علم دونوه ، ومع ذلك حاولوا أن يعرفوا شيئا مما عند اليهود والنصارى ، لا ليؤمنوا به ، أو ليستعينوا به لمعرفة الحق والوصول إليه ، بل ليجادلوا ويختصموا النبي عليه الصلاة والسلام ، ولذلك كشف الله تعالى حالهم . يقول
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : 101 ، 102 .
( 2 ) سورة الأنبياء : 26 - 29 .