تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
تعالت كلماته مبينا أنهم لا يريدون إيمانا بل يريدون إعناتا ، فقال تعالي :
وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ، ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
أي يريدون أن يلتمسوا الحجة من أي ناحية . ثانيها : أنهم كانوا يعتقدون في ذات أنفسهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم على الحق ، وأن القران الكريم هو الذي لا يحاكى ، ولكنهم يمارون في الحق بعد ظهوره ، ولذلك ما كانوا يسكتون ، عند إفحامهم ، أو إفحام بعضهم بل إنهم إذا أفحموا بحثوا عما هو أشد لجاجة ، وأقوى محاجة في الظاهر ، ولذلك لما أفحم النضر بن الحارث بين أيديهم لم يسلموا بالحق ، وقد بدت بيناته ، بل قالوا معاندين : وما قام وما قعد . حتى جاء ابن الزبعرى ، فأتى بما يظنه مفحما لمحمد عليه الصلاة والسلام ، بل كان سبيلا لمعرفة الحق ، إن أرادوا رشادا ، ولكن ما أرادوه . ثالثها : أنه في أثناء الحصار والمقاطعة والقطيعة ، ما ونى محمد عليه الصلاة والسلام عن دعوته حتى يئسوا هم ، ولم ييأس هو ومن معه من المؤمنين الأشداء الأقوياء ، ولو كانوا المعذبين المضطهدين . وإنه في أثناء ذلك ما ونى ، وما ضعف ولا استكان ، ولا وهنت نفسه . وإن ابن إسحاق قد أتى بأخبار كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام مع قومه ، وقد أفرغوا من الأذى كل ما في جعبتهم من سهام مريشة ، ممزقة جارحة ، ولقد قال ابن كثير في تاريخه بعد ذكر أخبار المجادلة : كل هذه القصص ذكرها ابن إسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بني هاشم ، وبني المطلب ، وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة ، وحصرهم إياهم في الشعب ، وبين نقض الصحيفة ، وما كان من أمرها وهي أمور مناسبة لهذا الوقت ، ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى : « من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحاق » . إذن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ، مواصل دعوته ، صادع بأمر ربه لا ينى ولا يقصر ، فما نهنهت من عزمته المقاطعة ، ولا إرادة الجوع والعرى ، بل استمر ، وهو يقول في قوة وعزم : « أنا النذير العريان » . وإذا كانت قريش قد بلغت أقصى الإيذاء ، وانتقلت من الإيذاء الأحادى إلى الإيذاء الجماعي ، ومن إيذاء المؤمنين واحدهم ، إلى إيذائهم مع من يوالونهم من أقارب ، وأولياء ونصراء ، إذا كانت قد بلغت ذلك ، فمحمد عليه الصلاة والسلام لم يعبأ ، لأنه مؤيد من رب العالمين .
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 382 | محمد ابو زهره