وقال قائل منهم : نحن نعبد الملائكة ، وهي بنات الله ، وقال قائل منهم : « لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا » .
تقاولوا طالبين آيات حسية ، ومستعجلين العذاب ، ثم قال عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب « يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا ، فلم تقبله ، ثم سألوك أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب ، فوالله لا أومن لك أبدا ، حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا أنظر ، حتى تأتيها وتأتى معك بنسخة منشورة ، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول : « وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك » « 1 » .
242 - طلبوا ما طلبوا لا ليؤمنوا ، ولكن ليحرجوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وليعلنوا قوة جدالهم ، وهم قوم خصمون كما قال الله تعالى ، ولعل الذي يفضح حقيقة نياتهم قول الهاشمي ابن عاتكة بنت عبد المطلب : وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أنى لا أصدقك ، فكأنه يصرح بأن التكذيب سابق للدليل ، وأنه راكز في النفوس لا يخرج منها ، حتى بعد تلك الآيات التي طلبوها ، فلو استجيبت مازادوا إلا إعناتا ، وكانوا كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ .
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ .
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ « 2 » .
ومطالبهم التي قدمت كانت للتعنت لا طلبا للدليل ، فإن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق واضح في ذاته ، تبعه مؤمنون لما فيه من الحق ، وقد صحبه الدليل الذي يثبت أنه من عند الله قرانا غير ذي عوج يهدى الضال ، ويرشد الساري في الظلام ، وهو المصباح المزهر ، الذي يعجز العرب وغير العرب عن أن يأتوا بمثله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ، وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
« 3 » .
وخلاصة هذه المطالب أنهم :
1 - يطلبون أدلة مادية ، طلبوا منه أن يوسع عليهم أرضهم ، وأن يبعث أمواتهم .
2 - وطلبوا أن يبعث لهم ملكا يشهد لنبوته .
هامش
( 1 ) راجع ابن جرير في تفسير سورة الإسراء ، وابن كثير كذلك ، وراجع سيرة ابن هشام ، والبداية والنهاية لابن كثير .
( 2 ) سورة الأنعام : 109 - 111 .
( 3 ) سورة الإسراء : 88 .