تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
لما سمع عتبة أنصت لها ، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منها ، حتى انتهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اية السجدة في السورة ، فسجدها ، ثم قال : سمعت يا أبا الوليد ؟ قال : سمعت . قال الرسول : فأنت وذاك . ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلسوا إليه قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد . قال عتبة : ورائي أنى والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط ، والله ، ما هو بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعونى ، واجعلوها لي ، خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب ، فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب ، فملكه ملككم ، وعزه عزكم . وكنتم أسعد الناس به . قالوا غير مجيبين نصيحته : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال الناصح ، وكان في ذلك الوقت أمينا في نصحه : « هذا رأيي ، فاصنعوا ما بدالكم » « 1 » . 240 - أعجزهم الإيذاء المستمر عن أن يحولوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن الإيمان ، بل إن التعذيب الشديد ، والإيلام المستمر كان يزيد المؤمنين إيمانا ، واستمساكا بما يعتقدون ، وترتب على الإيذاء أن امن مثل حمزة وعمر كما ذكرنا ، وأخذ المؤمنون يردون الإيذاء بمثله . فعرف أبو جهل كيف يكون شج الرأس من القوى العادل لمثله الفاجر ، والمهم عمر رضي الله عنه القوى ، كيف يكون الضرب للشرير العصى . أخذوا يجربون من ذلك طريق العلاج باللين ، وعرض ما يحسبون أنه يقرب النبي إليهم من غير أن يتقربوا هم من الإيمان ، عرضوا عليه مايلين أمثالهم ، وما هو منطقهم ، وعرضوا عليه الشرف فيهم ليكون السيد المطاع ، وعرضوا عليه الملك ليكون ملكهم ، وعرضوا عليه الأموال ليكون أكثرهم مالا ، فلما رفض كل هذا ، ولا يحسبون أن يرفضه إلا من يكون قد إيف عقله ، وذلك لمنطقهم المادي الذي لا يحسبون العلو فيه إلا بالمال والسيادة والملك ، عرضوا عليه أن يعرضوه على نطس الأطباء ليعالجوه ولكنه بدل أن يجيب بلا أو نعم تلا عليهم القران الكريم ليعلموا أن ما عنده خير مما يقدمون ، بل لا يعد ما يقدمونه شيئا مذكورا بجوار ما عنده وهو خير وأبقى .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية لابن كثير ج 3 ص 64 .