تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
وفي الحق أننا لا نرى فارقا زمنيا ، بل نجد أن دعوة التوحيد وتحريم عبادة الأوثان ، والإشراك بالله ابتدأت منذ جاء عليه الصلاة والسلام ، ومنذ أعلن عشيرته باستنكار عبادة الأصنام ، فقال عقب الإنذار بالبراءة منهم إن عصوا ، فقال الله تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ . وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
« 1 » . وجاء مثل ذلك عند الأمر بالجهر بالدعوة ، وإعلان قريش خاصة والعرب عامة ، إذ قال الله تعالى :
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
« 2 » . وإذا كنا لا نجد فارقا زمنيا يحد ما بين الدعوتين ، وإذا كانت الآيات التي نزلت في أول الدعوة بمكة المكرمة تتشابه في معانيها من ناحية الأوثان مع الآيات التي نزلت في اخر مقامه عليه الصلاة والسلام بمكة المكرمة . فإن من الحق علينا أن نقول إننا لا نجد تفريقا بين حال لم تذكر فيها أوثانهم بسوء وحال قد ذكرت فيها بسوء . وإن الذي نجده أو نظنه ظنا أن مقاومتهم ابتدأت بحال دهشة مما فوجئوا به ، وتساؤل فيما بينهم ، ما شأن هذا الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وهم بين من علم أن محمدا عليه الصلاة والسلام دعا إلى هذه الدعوة ، وبين متشكك في نسبة القول إليه ، وبينما هم يتسائلون كانت الدعوة تسرى في الأوساط ، وتجد لها من بينهم مصادقين ما بين سادة وعبيد ، وأشراف وضعاف ، فتنبهوا حينئذ للمقاومة ، لأمر وجدوه جدا لا هزل فيه ، وقويا لا ضعف يعتريه ، وإذا كان الذين يتبعونه قليلا ، فهم يزيدون وسيكونون كثيرا ولابد أن يأخذوا الأهبة لمدافعة هذا الواقع ، وهو لا يزال نبتا ، قبل أن يستغلظ سوقه . 231 - وعلى ذلك نقرر أن المقاومة كانت تتزايد في الشدة كلما تزايدت الدعوة عموما ، وتكاثر المستجيبون لها ، فهم كلما رأوها تنمو ولو قليلا يحسون بالخطر شديدا ، وكلما أحسوا بالخطر ازدادوا لجاجة وعنفا ، لأنهم يرون الخطر على سيادتهم ، ونظمهم الاجتماعية ، والأرض تنهار من تحتهم شيئا فشيئا ، فتزداد المقاومة بصورها المختلفة ، وكل يعمل على شاكلته ، وعلى الطريقة التي يرضاها خلقه ، ففريق بالايذاء ، وفريق بالاستهزاء ، وفريق بالشكوى لأبى طالب حاميه ، ويتلاقى الجميع على أمر يكون متلاقيا مع كل طبائعهم . . . هكذا .
هامش
( 1 ) سورة الشعراء : 214 - 217 . ( 2 ) سورة الحجر : 94 .